أوكازيون، صولد، تصفية عامَّة… – حبيب يونس

محطات نيوز – تردَّد في ذاكرتي رجعُ نداءٍ لبائع متجول على عربة خشب، كان ينادي في الأحياء والأزقة على بضاعته: “معانا صحون، معانا كبايات، معانا فناجين قهوة”…

واليوم، وتحت عنوان التسوية الأميركية – الروسية لأزمات العالم، ولاسيما منه شرقنا، بعناوينها الكثيرة، وفي ضوء الحراك الذي يواكبها، كأني بباعة متجولين “دوَّارين بالشوارع دوارين بالحارات”، ينادون على “أوكازيون” أو يقيمون “صولدًا”، أي تصفية عامة على الأزمات الصغيرة التي نشأت ضمن الأزمة الكبرى، ومن يلحق حاله، يجد لنفسه دورًا أو مكسبًا في تلك التسوية، وإلَّا ذنبه على جنبه… وقد “راحت عليه”.

لنأخذ نموذجًا الإفراج عن اللبنانيين التسعة الذين اختطفوا في منطقة أعزاز السورية المحاذية للحدود التركية، وهم في طريق عودتهم برًّا من زيارة لمقامات دينية في إيران، قبل 17 عشر شهرًا (كانوا 10 وأطلق أحدهم في أيلول من العام 2012). فبصرف النظر عن كل ما قيل وسيقال، وما وُصف به فعل الإفراج، أصفقة كان أم تقاطع مصالح أم ضغطًا عبر خطف طيار تركي ومساعده في بيروت قبل نحو شهرين… ثمة حقائق ثلاث تُقرأ سياسيًّا:

–      الحقيقة الأولى هي أن جميع اللاعبين الصغار في أزمات المنطقة، ولاسيما منها الحرب في سوريا، بدأوا يتلمسون فعلًا جدية التسوية بين واشنطن وروسيا، فلمَ لا يقدمون أوراق اعتمادهم إليهما، ليحفظوا لهم عندما يحين أوان الحل، مكانًا على الخارطة السياسية، ومكانة في صلب القرار.

فها هي قطر التي بدَّلت قيادتها قبل أشهر، وبدأت تعيد حساباتها السياسية، وضعت ثقلها لتكفِّر عن ذنب اختطاف هؤلاء الزوار، هي التي اتَّهم كثرٌ قيادتها السابقة بأن لها يدًا في الموضوع.

وها هي تركيا التي راهن عليها داعمو المعارضة في سوريا، رأسَ حربة في إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، ففشلت إلَّا في فتح حدودها لآلاف المسلحين الآتين من جهات الأرض الأربع، والذين بات بعضهم يشكل خطرًا عليها، وقبل أن تقع أعزاز في يدهم ولا تعود أنقرة قادرة على التحكم بملف المخطوفين التسعة، وبعدما آلمها خطف طيارَيْها في بيروت، وعلى أثر التراجع الكبير في شعبية رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان الذي سُوِّق له وسوَّق لنفسه “سلطانًا عثمانيًّا” جديدًا، وهو على أعتاب انتخابات عامة، سرَّعت الخطى للإفراج عن اللبنانيين، بعدما أغرقت لبنان وجهات وسيطة كثيرة، طوال الأشهر السبعة عشر الماضية، بوعود كثيرة كانت كلها كلامًا في الهواء.

وها هي سوريا تبدي تعاونًا مع الوسطاء، من ضمن سياسة التعاون العامة مع المجتمع الدولي على أثر تسوية مسألة سلاحها الكيميائي وتراجع الولايات المتحدة عن تهديدها بضربة عسكرية، فتفرج عن سجينات اشترط الخاطفون إطلاقهن، في مقابل تحرير اللبنانيين التسعة.

وها هي السلطة الفلسطينية تمد يد العون لطي صفحة مخطوفي أعزاز، هي التي تدرك تمامًا أن التسوية الأميركية – الروسية، لا تقتصر فحسب على الأزمة السورية، وبالتالي على ما أسفر عنه المسمى ربيعًا عربيًّا، بل ستطاول أيضًا الصراع العربي – الإسرائيلي… لعلها تستعيد بعضًا من دور، بعدما تحولت اسمًا على غير مسمى، وسلطة معزولة ومرذولة منذ اتفاق أوسلو، وقبل أن تُصفَّى القضية الفلسطينية على يدها.

–      الحقيقة الثانية هي أن ثمة جهات ومنظمات إقليمية ودولية، لم يكن لها أي دور في تحرير اللبنانيين التسعة، تحاول منذ الآن أن تخلع عنها صفة المحرض على الحرب في سوريا، أو الساكت عن أخطاء، أو الناظر بمعيارين، أو العاجز أو اللامبالي. وما موقف جامعة الدول العربية التي أكدت موعد انعقاد مؤتمر جنيف 2، ودعت المعارضة السورية إلى المشاركة فيه، إلَّا اعتراف بالحل السلمي، وتراجع عن سياسة العزل التي مارستها ضد نظام الرئيس الأسد، وتسليم بالتسوية الأميركية – السورية، بكل مندرجاتها.

–      الحقيقة الثالثة هي أن الحوار الأميركي – الإيراني، الذي كانت أبرز تجلياته اتصال الرئيس الأميركي باراك أوباما هاتفيًّا بالرئيس الإيراني حسن روحاني، وما سيتبعه من اجتماعات واتصالات أميركية – إيرانية تتعلق بالملف النووي الإيراني، هو اعتراف بدور طهران في التسوية المذكورة، الأمر الذي أغضب دولًا ذهبت في عدائها للجمهورية الإسلامية وبالتالي لسوريا في طريق لا رجعة فيها، وشعرت أنها بدأت تفقد مكانتها الإقليمية، فلا يكون لها أي رأي في تلك التسوية. وهذا ما يدفع إلى الاعتقاد مثلًا أن رفض وزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل إلقاء كلمته في الأمم المتحدة، ومن ثم رفض الرياض مقعدها عضوًا غير دائم في مجلس الأمن، فضلًا عن إسهامها المستمر في دعم المعارضة السورية، ليست كلها سوى رسائل إلى موسكو وواشنطن مفادها أن ثقل المملكة لا يمكن تجاوزه، وأنها ممر أساسي لأي تسوية، وينبغي أخذ هذا الأمر في الحسبان.

الجميع يعيد حساباته في ضوء التسوية الأميركية – الروسية، وإلى أن يحين أوان انعقاد مؤتمر جنيف 2، قد نشهد تطورات عسكرية وأمنية كثيرة، مسرحها طبعًا الأرض السورية، لعل الميدان يعدِّل في ميزان القوى ويعزز أوراق المتفاوضين… لعل وعسى.

يبقى أن من لم يقتنع بعد بأن التسوية آتية، لا محالة، يُظَنُّ أنه من زمن ذاك البائع المتجول، لكنه اليوم بدَّل بضاعته وراح ينادي: معانا حليب للأطفال، معانا بطانيات، معانا ما يستر العرض!!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قراءة في المبادرة الفرنسية- وجيه رافع

محطات نيوز-