وجهة نظر – كريستيان بلان الخاروف

محطات نيوز –  إنّه لسخيف جدّاً في العلاقات الإنسانيّة ما يفكّر به المرء على أنّه مهمّ عندما يكون كتناول الطّعام أوشرب الماء أو قضاء حاجة. أمّا المثير فهو أنّ ما تعتبره سخيفاً اليوم، من المحتمل أن يهمّك غداً، والأكثر إثارة أنّ ما تعتبره أنت سخيفاً قد يعتبره غيرك بالغ الأهميّة. إذ إنّ الأحكام الفرديّة لا تعمّم عادة إلّا على ذوي النّفوس الضّعيفة ، ليس لأنّ شخصيّتك قويّة وتعليلاتك مقنعة بل لأنّ أصحاب النّفوس الضّعيفة، والعقول الخفيفة، جبناء، خوافون، يهابون من يعتقدونه أذكى منهم وأكثر منهم فهماً، فينحنون ويروحون يردّدون أحكامه إلى أن تبدو وكأنّها أحكامهم فيصدّقون أنّهم أصبحوا أذكياء أقوياء، ولكنّهم سرعان ما يكتشفون أنّه الأهمّ، إذ ما إن غرقوا هم في أحكامه وعايشوها على أنّها الحقيقة الوحيدة، أتى إليهم بأحكام جديدة تضعهم في متاهات لانهاية لها والصّورة الأجمل للعين هي أنّهم يدخلون المتاهات من مفارقها وهكذا تدور الحياة. وربما، من الأفضل ألّا ننكر لذوي الأحكام، شخصيّاتهم المميّزة، ليس على كونهم أذكى بل لكونهم أخبث. أخبث، إذ أنّهم يجيدون إيجاد الأحكام المناسبة في الأوقات الحرجة فيبقون أصحاب النّفوس الضّعيفة والعقول الخفيفة في المتاهة منعاً من أن يجد أيّ منهم طريق الخروج فيكتشف حقيقتهم وضعفهم أو بالأحرى خوفهم من بساطة الحياة وهدوئها. كم كان الموضوع ليبدو مهمّاً لو كنت مسؤولاً عن رعيّة أو حاكماً منطقة وشعباً ولكن وللأسف ما أنا سوى إنسان عاديّ عاش حياةً وما زال يعيشها بطريقة عاديّة جدّاً كسائر النّاس العاديّين؛ الضّعيفي النّفوس؛ إذا أردتم، الضّعيفي العقول؛ ربّما العاديّين، ناس كلّ يوم، معقول… أو أيّ نوع آخر من النّاس، لا يهمّ. قدّر لي أن أبقى على قيد الحياة من يوم الولادة إلى اليوم. حياة عاديّة جرى أنّني عشت. طبعاً لا تخلو الحياة العادية من بعض ما هو غريب والأغرب هو الآخر الّذي تقبله في الحياة العاديّة ويبدو لك عاديّاً، ظاهريّا هو إنسان عاديّ ولكن ابداً البحث فيه أو التعمّق معه في آرائه ونظريّاته النّابضة بالثّقة والمفعمة بالإقناع المتغاضية عن معارفك وأرائك ونظريّاتك.

أفضل ما في هذا الإنسان العاديّ هو أنّه يعتبر نفسه صاحب حقّ؛ ومشكلة أصحاب حقّ كهذا هي أنّهم نوعاً ما جزء من هؤلاء، أصحاب الأحكام المطلقة على النّاس والمعمّمة فيضًا كفيضان النّيل. والمستغرب هو أنّك حين تتواجد مع أمثال هؤلاء تنقم عليهم وعلى أسلوبهم في التّعاطي مع الآخرين، وتشعر بالأذى خاصة من استخفافهم بك وبمعارفك ضاربين عرض الحائط ثقافتك وإلمامك بالحياة من بابها الواسع، تستنفر فيك طاقاتك وتحاول بقدر استطاعتك وأكثر تحطيمهم ومسح الغبار بما يبدونه من فهم ووعي. وما إن تتحرّر  من جلستهم  الّتي أحبطتك إحباطاً ما بعده إحباط تتواجد في جلسة أخرى حيث تعمل طوعاً على الإستخفاف بمن يجالسك ضارباً بعرض الحائط كلّ مفاهيمك الإنسانيّة واحترامك لنفسك مبرّراً وضعك بأنّك ونظراً لعدم كفاءة الجالسين اضطررت إلى لعب دور أمثال هؤلاء كي تعطي للجلسة رونقها.

         وللأسف ما الإنسان إلّا بمنتهز للفرص، مستغلّ لضعف الآخرين وجهلهم! بيد أنّ بعضًا ممّن يعتبرهم جهلة يتّضح أنّهم تركوه على نيّاته…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النموذج الصيني: من طرف العالم إلى قلب الحدث – عباس منذر

محطات نيوز – لطالما اعتُبر ...