أزمات لبنان وطوافان الاقصى – العميد المتقاعد غازي محمود

تتوسع تداعيات عملية طوفان الأقصى التي انطلقت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، لتطاول شرق المتوسط وربما الشرق الأوسط برمته، بعدما شملت ترددات هذه العملية دول المنطقة وإن بأشكال متنوعة ومتفاوتة. ولبنان اليوم في خضم هذا الطوفان الذي لا يزال في بداياته بحسب ما تُرجحه التقارير الإخبارية والتسريبات الاستخباراتية، سيما وأن المجزرة الإسرائيلية بحق غزة واطفالها مستمرة، والمواجهات العسكرية في الجنوب اللبناني تتصاعد مهددة البشر والحجر.

في الوقت الذي لا يزال فيه لبنان يرزح تحت تداعيات أزمته المالية والاقتصادية منذ نهاية العام ٢٠١٩، وتتفاقم أزمته السياسية لتحول دون أية مبادرة داخلية جدية لوضع حدٍ للانهيار المتمادي. ويُتم الشغور الرئاسي سنته الأولى من دون أن تلوح في الأفق أية محاولة جدية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، فيما تراوح مبادرة اللجنة الخماسية مكانها جراء عملية طوفان الأقصى، وتضارب أولويات أطرافها على الساحة اللبنانية.

وفيما كانت الآمال معقودة على ما يكتنزه قعر مياه المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان من الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، واقتراب لحظة استخراج الغاز الموعود على غرار الدول المجاورة للبنان، جاء التوقف عن استكمال حفر البئر الاستكشافي في الرقعة رقم ٩ لتقلب الأمور رأساً على عقب في تكرار لمشهدية الرقعة رقم ٤، توقفٌ لا يُمكن اعتباره سوى سيناريو لإبعاد لبنان عن استثمار موارده النفطية في تلك الرقعة وغيرها.

وبينما كان السبب غير المعلن لإنهاء اعمال الاستكشاف في الرقعة رقم ٤، الضغط على لبنان للسير بترسيم الحدود الجنوبية للمنطقة الاقتصادية الخالصة مع العدو الإسرائيلي، يأتي التوقف عن استكمال الحفر في الرقعة رقم ٩ لتزامنه مع عملية طوفان الأقصى والضغط للحؤول دون دعم لبنان للمقاومة الفلسطينية. ذلك أن الشركة المالكة للحفارة Transocean Barents هي شركة أميركية تعاقدت معها شركة توتال إنيرجي Total Energies لحفر البئر. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن استخراج الغاز والنفط هو قرار جيوسياسي، ويرتبط توقيته بحسابات إقليمية ودولية تفوق قدرة الأطراف المحليين.

وبعيداً عن الاعتبارات السياسية والحسابات الإقليمية، من المستغرب أن تقتصر اتفاقية الاستكشاف والانتاج مع الشركة المشغلة على حفر بئر استكشافي واحد في كل من الرقعتين ٤ و٩، وألا تنص على وجوب حفر أبار استكشافية إضافية، على الاقل في حال أسفر الحفر عن بئر جافة. ذلك أن اقتصار الحفر الاستكشافي على بئر واحدة غير كافٍ، كون الاستكشاف يتطلب حفر ثلاثة آبار على الأقل لقطع الشك باليقين، مع العلم ان نسبة اكتشاف بئر منتجة تتراوح من بئر من ثلاثة آبار الى بئر من خمسة آبار.

وتجدر الإشارة الى أن معظم اتفاقيات الإنتاج الدولية ((International Product Agreements، تلزم الشركات المشغلة حفر ما لا يقل عن ثلاثة آبار استكشافية في الرقعة موضوع الاتفاقية. وتحفظ هذه الاتفاقيات في الوقت عينه، حق الشركة المشغلة في أن تأخذ في الاعتبار تكاليف حفر جميع آبار الاستكشاف وأن تستعيد تكاليفها، بما فيها تكاليف تلك التي لم تؤدِ إلى اكتشافات منتجة.

وعلى الرغم من أهمية المسح الزلزالي والتنقيب الجيوفيزيائي في تقييم مصادر الهيدروكربون المحتملة، إلا أن الطريقة النهائية والوحيدة للدلالة على وجود النفط والغاز هي حفر آبار استكشافية. وحفر عدة آبار استكشافية في مناطق تستكشف للمرة الأولى تفرضه التجارب، سيما وأنه تم التوصل الى اكتشاف آبار منتجة بعد فشل العديد من المحاولات التي سبقت هذه الاكتشافات.

وخير مثال على ما تقدم حقل ظُهر الذي اكتشفته شركة Eni الإيطالية، قُبالة الشواطئ المصرية في العام ٢٠١٥، وذلك بعد أن كانت شركة SHELL الأميركية تعمل على استكشاف المنطقة على مدى ١٥ عاماً دون جدوى.

وانتقلت الشركة الإيطالية الى منطقة الشروق المصرية بعد ان حصلت على حقوق الاستكشاف فيها من شركة SHELL، حيث عثرت على حقل ظُهر الذي يعتبر أحد أكبر اكتشافات الغاز الطبيعي في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. مع العلم أن شركة Eni كانت قد فشلت في التوصل الى نتائج إيجابية من حفر بئري Onasagoras وAmathousa القبرصيين، وهي واحدة من شركات الائتلاف الثلاثة الحائزة على رخصتين بتروليتين حصريتين للقيام بأنشطة الاستكشاف والإنتاج في المياه اللبنانية.

ولم يؤدِ حفر تمار-٥ في العام ٢٠١١ سوى الى بئر جاف، في حين أن حقل تمار تم اكتشافه في العام ٢٠٠٩، بعد حفر بئرين تقييمين الأول تمار-١ والثاني تمار-٢، ودخل الإنتاج منذ العام ٢٠١٣، ما يدل على أن الحفر في حقل منتجة لا يؤدي بالضرورة الى بئر منتجة. مع العلم أن حفر تمار-٥ ترافق مع حفر ثلاثة آبار أخرى، هي تمار-٣ وتمار-٤ وتمار-٦ جميعها منتجة، لا بل كشف الحفر في تمار-٣ عن طبقة جديدة من الغاز الطبيعي، الطبقة D، تم العثور عليها على عمق ٥١٦٠ متراً.

ولا يتوقف امر استثمار الاحتياطات المكتشفة عند الحد الأدنى من عدد آبار الاستكشاف التي يجب حفرها، بل يشمل الفترة الزمنية التي يتطلبها الانتقال من مرحلة الاستكشاف الى مرحلة الإنتاج فهي بدورها تتطلب مهل زمنية لا تقل عن ثلاث سنوات. والانتقال الى الإنتاج يستوجب أن يُسفر الاستكشاف عن بئر منتجة واحدة على الأقل، تحتوي على كميات تجارية تعوض تكاليف اعمال الحفر والتطوير وتضمن الربح للشركة المشغلة، وتحقق مردود يكفي لتسديد الاتاوات وحصة الدولة من بترول الربح وغيرها من الرسوم.

وقد تطلب الانتقال من مرحلة الاستكشاف في حقل تمار (Tamar Field) الى مرحلة الإنتاج أربع سنوات، حيث استغرق تطوير هذا الحقل من العام ٢٠٠٩ تاريخ اكتشاف الغاز فيه الى العام ٢٠١٣ تاريخ بدء الإنتاج. وحقل ليفياثان (Leviathan Field) الذي تم اكتشافه في العام ٢٠١٠ ليس أفضل حالاً من حقل تمار، لا بل تطلب الانتقال الى مرحلة الإنتاج ست سنوات حيث بدأ الإنتاج في العام ٢٠١٦. والمهل الزمنية الفاصلة بين مرحلة الاستكشاف ومرحلة الإنتاج هي مهل واقعية تفرضها طبيعة الصناعة الاستخراجية وتعقيداتها.

شروط استكشاف الموارد النفطية لجهة الحد الأدنى من عدد الآبار وتحديد حجم الاحتياطات المتوافرة منها، والمهل الزمنية التي يتطلبها الاستكشاف من جهة وتطوير الآبار وإعدادها للإنتاج من جهة ثانية، تتعارض مع ما تم ترويجه من اخبار إيجابية حول اختصار المراحل والانتقال من مرحلة الاستكشاف الى مرحلة الإنتاج بصورة مباشرة وسريعة. وعدم استدراك اتفاقية الاستكشاف والإنتاج وجوب حفر٣ آبار تقيمية متلاحقة في الرقعة المرخصة، يؤدي الى هدر مزيد من الوقت لاستكشاف الاحتياطات التي دلت عليها الدراسات، ويطيل انتظار مرحلة تطوير الآبار والبدء بالإنتاج.

إلا أن المشكلة لا تكمن فيما يتطلبه حفر الحد الأدنى من الآبار الاستكشافية وتطوير الآبار المنتجة من مهل زمنية، بقدر ما تكمن في الجوانب التقنية المعيقة لتقدم اعمال الحفر، والعوامل الجيوسياسية المواكبة لتطور أعمال الاستكشاف وما تُضمره الدول المؤثرة من تسهيلها او عرقلتها.

وفي المقابل إن الرهان على أن يُشكل مجرد استخراج الغاز والنفط من المنطقة الاقتصادية الخالصة حلاً سحرياً لازمة لبنان المالية والاقتصادية فيه الكثير من المبالغة والاسراف في التفاؤل.

ذلك أن الازمة المالية والاقتصادية التي يُعاني منها لبنان هي ازمة بنيوية، اثبتت السنون التي انقضت من عمرها، وكادت أن تقضي على لبنان وشعبه، أنه لا يُمكن لمن تسبب بها أن يعالجها ويستنبط الحلول لها. ولبنان اليوم بقدر ما هو بحاجة الى أن يُحكم بذهنية جديدة وخلاقة، بحاجة الى التخلص من الإدارة الورقية التقليدية واعتماد إدارة كفؤة متطورة وشفافة، تكفل حصول الدولة على حقوقها من الرسوم والضرائب، وتبسط وتسرّع المعاملات مع الإدارات الرسمية سواء تعلقت بالأشخاص أو المؤسسات والشركات.

والى أن يُسمح للبنان الاستفادة من مكنوناته النفطية، لا بد من وضع خطة عمل مستقبلية تسمح بالخروج من حالة المراوحة السائدة في إدارة الدولة على جميع المستويات، على غرار خطة الطوارئ الأخيرة لمواجهة تداعيات الحرب على لبنان في حال وقوعها، علماً أن غالبية الإصلاحات لا تتطلب اعتمادات مالية، بل تعديل في القوانين والأنظمة المرعية الاجراء.

ذلك أن تأجيل الحلول المتاحة وربطها بقضايا المنطقة وبحلٍ متكامل لازمة لبنان السياسية والاقتصادية فيه كثير من الاجحاف بحق اللبنانيين، إن الحلول المتدرجة والمتراكمة لازمات لبنان هي الحل الممكن في زمن الحلول الضائعة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إضغط هنا

أحدث المقالات