الحياة: الخيار بين لونين في ظل شعور باستهداف المدينة وتطويع رئيس الحكومة

محطات نيوز – كتبت صحيفة الحياة تقول: تكتسب معركة الانتخابات الفرعية في مدينة طرابلس الشمالية والتي ستجرى خلال الشهرين المقبلين، أهمية خاصة بعد إبطال المجلس الدستوري نيابة النائبة في كتلة “المستقبل” النيابية ديما جمالي نتيجة طعن قدمه المرشح عن “جمعية المشاريع الإسلامية” طه ناجي بنتيجة احتساب الأصوات التي نالها، مقابل جمالي، نظرا إلى الظروف السياسية الدقيقة التي تمر بها التوازنات السياسية الراهنة في لبنان.

فكتلة “المستقبل” النيابية تحدثت في البيان الذي أصدرته الخميس الماضي فور إعلان قرار الإبطال عن أنها “تشعر بعملية غدر سياسية استهدفتها واستهدفت الرئيس سعد الحريري شخصياً”، ورأت أن”أساليب الطعن في الظهر واستخدام أرفع المواقع القضائية وسيلة لتصفية الحسابات السياسية، لن تثنيها عن قرارها بوجوب حماية المجلس الدستوري من الدخلاء على المهمات المنوطة به”.

وتشير مصادر سياسية ورسمية عليمة بخلفيات موقف الكتلة لـ”الحياة” إلى أن الكتلة والحريري اطّلعا على معطيات عن ضغوط مورست على قضاة في المجلس الدستوري لتغيير أحد القضاة موقفه من قبول الطعن، بعدما كان أوصى برفضه، نظرا إلى أن فارق الأصوات لا يعتد به، دفعت بالحريري إلى اعتبار ما جرى يأتي في خطة تستهدف إظهاره ضعيفا، بخفض كتلته النيابية نائبا بعدما أدت التنازلات التي أقدم عليها من أجل تمرير قانون الانتخاب، والتضحيات التي قدمها في التحالفات إلى خسارة كتلته العابرة للطوائف، أكثر من 12 نائبا عما كانت عليه في انتخابات 2009 .

وأوضحت هذه المصادر أن الحريري بدا شديد الانزعاج من اشتراك فرقاء في السلطة عقد معهم تسوية من أجل الدخول في مرحلة إنقاذية لأوضاع البلد المتردية، في هذه الخطة التي ترمي إلى تجريده من قوته النيابية، على رغم تراجعها أصلا. وهذا ما يفسر حديث بيان الكتلة عن “الطعن بالظهر”.

وتؤكد أوساط تيار “المستقبل” أن هذا المناخ هو الذي دفع الحريري إلى الطلب من جمالي إعادة ترشيح نفسها للمقعد السني الذي شغر بإبطال نيابتها، فور الإعلان عن قرار المجلس الدستوري، من باب إصراره على الاحتفاظ بهذا المقعد، ومواجهة تحدي محاولة تجريده منه، نظرا إلى رمزيته السياسية في ما يخص وجوده ونفوذه في الشمال.

وتتجه الأنظار إلى التحالفات التي سيعقدها الحريري في عاصمة الشمال، التي تتميز بالثقل السني الانتخابي المقرر للنتائج، لأن عدد الناخبين السنة فيها هم الأكثرية الساحقة (194،268 من أصل 237،338 ناخب)، وبالثقل السياسي التاريخي الكبير أيضا لأنها المدينة الثانية الكبرى في لبنان، التي كان لها دور في رسم المعادلة السياسية اللبنانية التاريخية على مر العقود، خصوصا أن أكثر من 5 رؤساء حكومات جاؤوا منها إلى الرئاسة الثالثة، فضلا عن أنها رفدت الحريرية السياسية بدعم شعبي واسع في السنوات العشرين الماضية.

والمعركة الانتخابية الفرعية فيها تجرى، بحسب ما نص عليه القانون الجديد القائم على النظام النسبي، وفق النظام الأكثري، لصعوبة تطبيق النسبية والصوت التفضيلي، على التنافس حول مقعد واحد. كما أنها تُجرى في المدينة (الدائرة الصغرى) وحدها وليس في الدائرة الأوسع التي كانت ضمت إليها في انتخابات العام الماضي قضاءي الضنية والمنية.

وتترقب الأوساط السياسية الموقف النهائي لرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي الذي كان خاض المعركة في أيار (مايو) الماضي في الانتخابات العامة مترئسا لائحة “العزم” منافسة للائحة “المستقبل للشمال” التي تحالفت مع الوزير السابق محمد الصفدي، إذ أن الحريري وميقاتي عادا فتعاونا بعد الانتخابات وتوافقا على عدد من العناوين السياسية التي أفضت إلى ضم مرشح الثاني لتولي منصب وزاري في الحكومة الجديدة هو وزير شؤون تكنولوجيا المعلومات عادل أفيوني. 

التحالف الحاسم
ويقول قياديون في المدينة لـ”الحياة” إن التحالف بين الحريري وميقاتي سيحسم المعركة لمصلحة جمالي، إذ أنهما يشكلان سويا الثقل الانتخابي الأكثري، قياسا إلى تجمع القوى الأخرى المنافسة، وإلى نتائج الانتخابات العامة، بحيث أن توحيد جهودهما كونهما يمثلان الكتلتين الانتخابيتين الأقوى، في صندوقة الاقتراع خلافا لتنافسهما في الانتخابات العامة، يفضي إلى هذه النتيجة.

هذا فضلا عن أن الانتخابات العامة شهدت ظهور 8 لوائح انتخابية على الدائرة الموسعة تنافست على 11 مقعد، نظرا إلى الفرصة التي أتاحها القانون على أساس النسبية والصوت التفضيلي، للخرق، ما شجع الكثيرين على التوزع في هذه اللوائح، لعل القانون الجديد يسمح باختراق المنافسين التقليديين. كما كان من بين اللوائح الثمانية تلك التي تصدرها الوزير السابق اللواء أشرف ريفي الخارج من تحت عباءة الحريرية السياسية، بحجة تقديم الحريري التنازلات للخصوم السياسيين.

أما الانتخابات الفرعية على الأكثري، فإنها تخفض من رغبة الطامحين إلى الترشح وبالتالي تتركز المنافسة على المرشحين الرئيسيين المتنافسين، إذا قرر المرشج طه ناجي خوض المعركة أو اتفق خصوم الحريري على دعم ترشح غيره لضمان حصد أصوات أكثر، خصوصا أنه كان انضم إلى اللائحة الثالثة، “الكرامة الوطنية” التي تصدّرها النائب فيصل عمر كرامي، وخرق لائحتي “المستقبل” و”العزم” ومعه جهاد الصمد من الضنية.

وعلمت “الحياة” أن الاتصالات بدأت بين الحريري وميقاتي، انطلاقا من مناخ التعاون الذي ساد بينهما في المرحلة الأخيرة، وإن كان الثاني يتريث في إعلان دعمه لجمالي في انتظار إجراء اتصالاته مع فعاليات طرابلسية واستكشاف ما ينويه الفريق الآخر. وهو عبّر عن موقفه في بيان صدر أمس عن مكتبه الاعلامي جاء فيه الاتي: “تفاديا لتحليلات وإجتهادات في غير موقعها، يؤكد الرئيس نجيب ميقاتي حرصه على العلاقة مع رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وعلى التعاون المتين القائم بينهما، ويشدد على أن الأولوية لديه في موضوع الانتخابات الفرعية هي مصلحة طرابلس وأهلها، ومن هذا المنطلق فهو يجري الاتصالات اللازمة مع كل الأطراف المعنية بهذا الاستحقاق على قاعدة أن وحدة الصف هي أكثر من ضرورة في ظل التحديات الراهنة والداهمة، فاقتضى التوضيح”.

لونان لا ألوان عدة
إلا أن سياسيا طرابلسيا محنكا قال لـ”الحياة” أنه بصرف النظر عن الحسابات الانتخابية والتحالفات، فإن معركة المقعد السني الخامس في طرابلس هي معركة خيار سياسي بالدرجة الأولى في المرحلة التي تمر بها البلاد.

وهي انتخابات حول التوجه السياسي الذي يمثله الحريري وطنيا وعربيا مقابل التوجه الثاني الذي تبلور بـ”اللقاء التشاوري” للنواب السنة الستة حلفاء “حزب الله” وسورية في وجه الحريرية السياسية. والمرشح الذي كان ينافس النائبة ديما جمالي ينتمي إلى هذا التوجه الذي يوالي “محور الممانعة” على الصعيد الإقليمي.

ويضيف السياسي إياه أن أمام الناخب الطرابلسي في الانتخابات الفرعية الخيار بين لونين، وليس بين ألوان عدة، فإما أسود وإما أبيض، وهذا يعني أن التصويت لجمالي، بغض النظر عن المرشحين وأسمائهم، هو تصويت للحريري، فيما التصويت لناجي أو لأي مرشح يدعمه الفريق الذي سبق أن ترشح ناجي في لائحته، يعني دعم التوجه السياسي الذي يحالف “حزب الله” والقيادة السورية، كما ظهر من خلال الإصرار على تمثيل “اللقاء التشاوري” في الحكومة من قبل أصحاب هذا التوجه الذي يريد تغيير ميزان القوى على الساحة السنية لمصلحته، وإضعاف أرجحية الحريري فيها على الصعيد اللبناني عموما. وهذا يعني أيضا أن الخيار عند الناخبين لن يكون بين المتنافسين وبين خيار ثالث حيادي أو وسطي.

ويرى السياسي الطرابلسي نفسه أن التباينات حيال مواصلة موالاة الحريرية السياسية في المرحلة الماضية قد لا تبقى هي ذاتها في المعركة الفرعية، في وقت يستشعر الطرابلسيون أنه بموازاة السعي من قبل أنصار المحور الإقليمي الإيراني السوري، لتطويع الحريري وإضعافه، هناك محاولة لإفادة بعض من هم في السلطة من الظروف من أجل استهداف طرابلس كثقل سني وعروبي تاريخي عن طريق مد النفوذ إليها.

ويتابع: وقوف ميقاتي خلال الأشهر التسعة الماضية إلى جانب الحريري إزاء محاولة الافتئات على صلاحياته في تأليف الحكومة، إن كان في إطار اجتماعات رؤساء الحكومة السابقين، أو في مواقفه المنفردة، من الصعب تعديله في الانتخاب الفرعي. فميقاتي مقتنع أن الحريري رجل المرحلة في ظل الغطاء العربي والدولي الذي يتمتع به، وفي وقت ما زال يتمتع بالأرجحية على الصعيد السني وعلى مستوى لبنان ككل. ويشير إلى أن ميقاتي بدأ بالتقارب مع الحريري الذي لاقاه في منتصف الطريق، منذ أن رشحه لرئاسة الحكومة، وبقي مساندا له حتى حصول حكومته على الثقة، وهو بالتالي لن يخوض معركة انتخابية تأخذ هذا الطابع السياسي، ضده، على رغم أن هناك فرقاء سعوا إلى جعله فزاعة للحريري في أثناء الضغوط التي مورست على الأخير في مرحلة تشكيل الحكومة، أو لجعله بديلا عنه في الرئاسة الثالثة. 

الماكينات والأجهزة الأمنية
ويعتبر السياسي الطرابلسي أن ميقاتي بثقله الانتخابي وبحجم المؤسسات والخدمات التي يقدمها في المدينة، يلعب دورا في ترجيح كفة جمالي.

ويلفت إلى أن خصوم الحريري في الانتخابات الماضية، ستكون أصواتهم معرضة للنقصان وليس للزيادة، مثل اللواء ريفي، في ظل صعوبة تكرار ما سبق أن قيل عن دعم عربي لتوجهه في ذلك الحين ووقوفه بوجه زعيم “المستقبل”، لأسباب تتعلق بسياسة “حزب الله” ودور الحزب في السلطة السياسية. ويرجح السياسي الطرابلسي أن يعيد ريفي ترتيب أولوياته بحيث لا يغامر في الوقوف ضد الحريري هذه المرة.

أما بالنسبة إلى النائب كرامي، فإن السياسي الطرابلسي يرى أن الأصوات التي حصدتها اللائحة التي كان في عدادها في الانتخابات العامة لا تعني أن باستطاعته حصدها في الفرعية. ويلفت إلى أن كرامي كان حريصا في الحملة الانتخابية على نفي أنه في عداد قوى 8 آذار، أو في محور الممانعة، لكنه بعد الانتخابات أخذ يعقد اللقاءات مع “حزب الله” وينسق خطواته معه في إطار “اللقاء التشاوري” وشكل مع “جمعية المشاريع الإسلامية” (الأحباش) رأس الحربة في وجه الحريري. ولهذا التحول تأثيره في الرأي العام الطرابلسي، في وقت يزداد التوجه القائم على تجريد مجلس الوزراء من صلاحياته بالممارسة، تارة بحجة إعادة النازحين إلى سورية وأخرى باسم المصلحة العليا اللبنانية.

وينتهي السياسي الطرابلسي إلى القول أن الموجب السياسي لتعاون ميقاتي مع الحريري لا يعني أن على “المستقبل” الإطمئنان إلى نتيجة المعركة الانتخابية، بحجة التقاء الفريقن الأقويين، لأن حماس الناخبين يخف عادة في الانتخابات الفرعية قياسا إلى الانتخابات العامة. وهذا يفترض بالماكينة الانتخابية في “المستقبل” ونوابه السعي إلى تفادي أخطاء التعبئة التي ظهرت في الانتخابات السابقة، وبماكينة ميقاتي أن تستنفر لمصلحة الخيار السياسي الذي سيأخذه، وإلا ظهر الإثنان بمظهر الضعف كما حصل عند تحالفهما في الانتخابات البلدية عام 2016.
ويدعو السياسي الطرابلسي إلى عدم التقليل من حجم تدخلات أجهزة الاستخبارات السورية والأجهزة الأمنية اللبنانية المتنوعة في المعركة بناء لتوجيهات من هنا ومن هناك. 

images - Copy

images - Copy

sushi

all clear مكافحة الحشرات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إضغط هنا

أحدث المقالات