مثلما أتى… ذهب… – المراقب والمحلل السياسي ميشال جبور

محطات نيوز – تعّود بعض اللبنانيين على مناظر الاستكبار التي لطالما لجأ اليها الأميركيون لكي يقطفوا ثماراً لم يزرعوها بيدهم…رافقت الدهشة وصول بومبيو وزير الخارجية الأميركي وتم نفخ زيارته حتى خُيِّل الينا ان المحدلة الأميركية آتية… غير ان الضيف الذي تم تبجيله من بعض اليتامى اتى لكي…وهو امر معروف…اتى لكي يملي…لكنه ذهب…ذهب خالي الوفاض…

…عراضة…سبقتها عراضة…في الأمس القريب اتى ساترفيلد حاملاً رؤوس اقلامٍ…فالأمريكي من عادته ان يخبرك قدر ما امكن بالقليل،غير اننا فهمنا…واليوم اتى بومبيو…اتى بومبيو و رافقته فرقة الزفة اللبنانية التي منذ الحديث عن قدومه والى آخر ثانيةٍ…هولت علينا وكثرت تأويلاتها…شيء من الترغيب وشيء من الترهيب…

السيد بومبيو كما قد ابلغنا السيد ساترفيلد…اتى حاملاً في جعبته مطالب صهيو-اميركية خبيثة…ودخل علينا من باب الأحلام…
وقف وزير خارجية اميركا وقال مستخفاً بعقول الناس:”حزب الله يقوض احلام اللبنانيين”…وتناسى حرب تموز ٢٠٠٦…اتى كالظافر وحط على ارض المطار كالفاتح ونسي التاريخ…نسي كيف كانت الكلاب تفتش حقائب الرئيس فرنجية لكي يظّهروه كالضعيف ومكسور الجانح وهو الذي وقف مع رفاقه الرئيس شمعون والشيخ بيار الجميل الأب وقفة جبال امام بواخر كسينجر…عن أية أحلام يتحدث يا ترى؟…
ولاقته شلّة المشجعين والمتباكين اللبنانية وانهمرت التصريحات…
أترى…قرأتم التاريخ جيداً؟…رجالات لبنان لا تخدعها البهرجة الأميركية…

بدا من الواضح ان الأحلام التي تحاول ان تتاجر بها لم تقتصر على التحذير من حزب الله بل تطرقت الى موضوعين سياديين…
حاولت ان تمرر رسالة النفط طالباً خنوع لبنان لمصلحة طفلة اميركا المدللة اسرائيل وهو أمر مرفوض كلياً فأوضح لك الرئيس الجبل ان لبنان سيد نفسه وان اي اعتداء على نفط لبنان لن يمر مرور الكرام…طبعاً لم يعجبك الأمر لكن،وكما اعتدنا على الأميركي آتٍ بإملاءات سيدك ترامب فغمزت من قناة النازحين…وانت على تمام المعرفة ان الرئيس القوي هو من العيار الذي لا يتنازل عن سيادة لبنان ولا عن حقوق شعبه الإجتماعية…فأتاك الرد…النازحون هم عبء على لبنان ووجودهم لأجل غايةٍ في نفس يعقوب لم يعد مبرراً بعد ان عاد الأمور الى طبيعتها في سوريا واحكمت السلطات هناك قبضتها على كامل الأراضي…فامتعضت وخرجت…ولم توقع على السجل الذهبي وهو امرٌ عجيب…ضيق الوقت ضيقّ لدرجة ان ثانية واحدة للتوقيع…ستخرب الدنيا…

على مر السنين كان “الضبع” الأميركي وبعض الثعالب المستفيدة يحاولون دوماً تخويف اللبنانيين من ابن بلدهم ومن استغلال ثروات بلدهم وفرض سيادتهم على ال١٠٤٥٢ كلم٢ عبر غزل وحياكة سياسات غريبة وملتوية…ولكن هذه المرة خسئوا لأن القرار اصبح بيد من لا يخاف والكل يعرف عياره…الثقيل…الا وهو الرئيس القوي…

صوب الرئيس عون ملف النازحين باتجاه واحد،لعودتهم الى بلادهم واعتاقنا من عبئهم علينا إن كان بوجودهم الإجتماعي أو الإقتصادي أو حتى الديموغرافي الذي يعني الكثير لبعض الصائدين في الماء العكر…وهنا لا بد من التذكير ان الفلسطينيين أدخلوا الى لبنان في البدء لأيام معدودة وها هم حتى اليوم تكون قد مرت سبعون سنة بعد ان استغلهم البعض لكي يمرروا طريق فلسطين عبر جونية…

ألا تتذكرون كيف الصقت بهم تسمية جيش المسلمين…ألا تتذكرون الخراب الذي عاث في البلد؟…والآن يأتي الأميركي بصفقة عنوانها الواحد الأحد خنوع لبنان وكسر سيادته من جديد لحساب من؟…تعلموا من التاريخ وراجعوا حساباتكم جيداً…لبنان وطن للجميع…أكبر من أن يُبلع وأصغر من أن يُقّسم…

اتيت متأخراً باعتقادنا سيد بومبيو…قمت بجولتك…وكان باعتقادك انه لم يعد هنالك من جبال في لبنان وإذ…وصلت الى بعبدا…والتقيت الرئيس عون…لكن…امام الرئيس عون،انت متسلق ركيك…طبعاً انتظرك الناس في لبنان…من كثرة النفخ…لكن استقبلك رئيس لبنان بقامته العالية…وكان اللقاء جيداً الى حد ما وبفضل رصانة الرئيس عون فقدت عنصر المفاجأة…الرئيس يعلم لماذا انت هنا…والملفات التي تحاول السيطرة على مجرياتها تبين ان رئاسة الجمهورية قد اسست لها حلولاً لا رجوع عنها…فخفت بريقك…

وذهبت تذكر بالأموال التي تدفعها اميركا والمساهمات…لا نريد اموالكم ولا نريد ان نقبض ثمن تخلينا عن سيادتنا وتمرير مشاريع رعناء تزيد المعاناة وتزيد هجرتنا…تعاطفنا بما فيه الكفاية وصبرنا بما تخطى صبر ايوب والآن هو زمننا…عاد زمن الأقوياء الذين يضربون الطاولة بيدهم ويعرفون كيف يقولون “لا”…

تريدوننا ان ننكر حزب الله وان نكفّره لأجل ان ترتاح اسرائيل،تضحكون علينا بالقول ان حزب الله يهدد استقرار لبنان وسلامة اراضيه…فأعطاكم الرد وزير خارجيتنا جبران باسيل بشكل بليغ ممتنع وابلغكم بكل سيادة ان حزب الله هو فريق لبناني موجود ومقاومته لإسرائيل مشروعة وحق مقدس لكل بلدٍ ان يقاوم ويواجه اي خطط تحاك له وان يتصدى لكل انتقاص من حقه السيادي…

سيد بومبيو نحن نحترم السيادة الأميركية ونعلم تمام بأن اميركا هي دولة عظمى…لكن لبنان ليس مكسر عصا لأي احد مهما علا شأنه…وإن وقفة الوزير جبران باسيل البارحة هي وقفة كرامة امام من يعتبرنا مجرد دمى يملي علينا ويحرك خيوطنا وكل من يدور في فلككم لهو مطية لكم ولا نكّن له اي اعتبار واعلموا شديد العلم انه يحاول الإحتماء بظهركم فقط لكي يغطي فساده وخيانته…

فإن كان باعتقادكم ان هذه الزوبعة من الأضاليل قد تغيّر من تصميم الرئيس عون فأنتم…واهمون…واكثر ما يمكن لزوبعتكم ان تفعله هي تحريك القهوة في فنجان من يراهن عليكم…تعلمنا درسنا من كيسنا…ولا مجال للتفريط لا بسيادتنا ولا بكرامتنا مقابل حفنة من اموالكم ستكلفنا سبعين سنة اخريات ومصير الوطن…

لا حجة مقنعة لدى اميركا يا سيد بومبيو ببقاء النازحين…المبادرة الروسية ما زالت قائمة…ضعوا اموالكم في جيوب النازحين واعيدوهم الى اراضيهم…فلهم الحماية الروسية وحماية دولتهم ان كانوا شرفاء ولا يريدون ان يعيثوا الخراب…لهم في سوريا اراضٍ كثيرة يمكنكم ان تصرفوا عليهم ما شئتم ان كنتم تخافون عليهم كما تدعون…لكن ليس في لبنان…ولا تهولوا لا علينا ولا على سوريا ولا على روسيا…دعايات هضبة الجولان مقابل الخنوع السوري هي بائسة وانتم تعلمون وبريطانيا قطعت الطريق على هذه المحاولة وافهمتكم ان هضبة الجولان بكل بساطة هي…محتلة…

لا شك ان مصائب قوم عند قوم فوائد…ولكن لن نسمح ان تكون مصيبتنا فائدة لإسرائيل ولن نسمح لها بإدخال القشة في نفطنا كما يحلو لها ولن نسمح بالتخلي عن مكونٍ لبناني هو حزب الله الذي له كل التقدير على تضحياته…وبالطبع لن نرضى ونرضخ ان تعيدوا الكرة في ملف النازحين السوريين كما فعلتم بالنازحين الفلسطينيين…

اذا فلنتعظ من المشهد العام للعالم اجمع…فمن قال انه يجب علينا الخضوع للإملاءات الأميركية مخافة ان تقاصصنا؟…نعم نحن دولة صغيرة تكاد لا تُلحظ على خارطة العالم ولكن هل تساءلتم يوماً لماذا يهتم بنا العالم اجمع؟…لأن لبنان هو بوابة الشرق منذ بدء العصور ونزعتنا الفينيقية ساهمت في تطوير الإقتصاد والتجارة إلى أن جاء بائعو الأوطان والمرتهنين…

لكن اليوم تغير المشهد ولم تعد اميركا هي القطب الوحيد في العالم…لم يعد بامكانها لحس عقول الناس عبر ممارسة لعبة البلطجة القديمة ولم يعد بامكانها خداع الناس مثل ما فعلت مع الكثير من حلفائها وتخلت عنهم…أنسيتم شاه ايران…؟

بالتأكيد يمكننا الوقوف في وجه من ينتقص من سيادتنا، بوحدتنا وجيشنا ومقاومتنا كما وقفت الكثير من الدول مثل كوبا وفنزويللا بوجه الطغيان…

اتيت سيد بومبيو مستعلياً لتقول لنا ان النازحين لن يعودوا وان استخراج النفط رهنٌ برضى اسرائيل،حتى ان بعض وسائل الإعلام وصلها معلومات انك لوحت بخط “هوف” النفطي الذي يلغي سيادة لبنان النفطية على مساحة كبيرة فدوى عيون اسرائيل وان حزب الله هو شوكة في خاصرة لبنان…وأخذت الجواب الشافي…نفطنا هو ملكنا ولا منّة لأحد علينا فيه وان رضت اسرائيل او لم ترضى…حزب الله هو جزء لا يتجزأ من لبنان ومقامه من مقام السيادة اللبنانية وهذا ما اكد عليه وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل…والنازحون يجب ان يعودوا الى بلدهم فنحن لن نحرص عليهم اكثر من حرص دولتهم عليهم…ومع انك ابديت بعض التفهم غير ان مهمتك تفرض عليك عدم التعاطف وعدم التجاوب مع العنفوان اللبناني…

 

في الخلاصة،هذه الزيارة المكوكية التي قام بها بومبيو تحمل في طياتها جنين صفقة القرن والتي تعتقدها اسرائيل صفقتها العزيزة…ونحن بدورنا نقول انها لن تمر على كرامة لبنان ولن نرضى ان نكون ذميين عند اميركا او عند اسرائيل…ان مطالب ترامب التي حملها بومبيو وقبله ساترفيلد هي نفس المطالب التي دفعنا الثمن سابقاً لأجلها خراباً للبلد وشهداء ومفقودين…حفظنا الأمثولة ولم يعد هنالك مجال للخطأ… ولكل مستزلمٍ معتقداً نفسه شريكاً في صفقة القرن،نقول،سترميك اميركا رمية الكلاب عند اول منعطف وستتخلى عنك كسمكة في الصحراء ان يوماً تغيرت مصلحتها الجيو-سياسية…ولن يبقى لك من تنظر بوجهه… اما الوطن فهو لك واخيك في الوطن مهما مضغ بك لن يبلعك…عودوا الى وطنيتكم وعزتكم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*