رسالة دولية لضاحية بيروت الجنوبية: قبولكم بصندوق النقد لا يعني قبولنا بسلاحكم

محطات نيوز: رسائل دولية وصلت إلى بيروت وحكومتها وضاحيتها الجنوبية، تمحورت حول شروط الدول المانحة لمساعدة لبنان. هذه الرسائل تزامنت مع قرار الحكومة اللبنانية طلب مساعدة صندوق النقد الدولي، بناءً على خطّتها لـ “التعافي المالي والإقتصادي”. اختلف أسلوب عواصم القرار في صياغة هذه الرسائل، بعضهم اعتمدها مشفّرة، وغالبهم أرادها واضحة فاقعة، لا يحتاج فهمها إلى “كود” لفكّ شيفرتها.

وكمثال على نموذج النوع الثاني من الرسائل، أتت الرسالة الأميركية على لسان كلّ من مساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر والسفير الأسبق جيفري فيلتمان مفادهما أنّ “دياب يواجه تحدّيًا يتمثل في إقناع المانحين بأنّ الخطّة الراهنة لا تعزز هيمنة “حزب الله” في دولة متصدّعة… خصوصا وأنّ الحزب يعتمد على التمويل غير القانوني وعلى الفساد وتجنب دفع مستحقّاته للدولة كالجمارك والضرائب”.

الرسالة الألمانية بتصنيف “حزب الله” منظّمة إرهابية في هذا التوقيت، لا يمكن فصلها عن المسار الدولي للتعامل مع حكومة لبنانية، لم يرق لونها الأصفر لجهات دولية، وإن اختصر اللون على خلفية المشهدية الحكومية فقط، من دون أن ينسحب على انتماءات كلّ مكوناتها، لاسيّما وأنّها تضم شخصيات مستقلّة.

المجتمع الدولي استجمع الرسائل المنفردة لمكوّناته في رسالة واحدة، اختار لتوجيهها توقيت بدء الجولة الأولى من التفاوض بين الحكومة وصندوق النقد الدولي، وفي هذا السياق تأتي دعوة “مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان ، التي تضمّ الأمم المتحدة وحكومات الصين وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا الاتحادية والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، مفادها أنّ على “حكومة لبنان إشراك جميع المعنيين في المشاورات حول مضمون الخطّة، وتنفيذ القرارات 1701 و1680 و1559”. مجلس الأمن الدولي أيضّا تناغم مع هذا المنحى، بتأكيده على وجوب حصر السلاح بالجيش اللبناني تنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم 1559، وذلك في مشاورات مغلقة عقدها مساء الأربعاء حول الوضع في لبنان، حيث ناقش تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش نصف السنوي.

وفق مقاربة مدير مركز المشرق للشؤون الإستراتيجية الدكتور سامي نادر الرسالة الأهم هي تلك التي وردت في بيان مجموعة الدعم الدولية، التي قاربت مساعدة لبنان وفق مرتكزين أساسيين “الأول استند إلى ضرورة أن تأخذ الحكومة بالإعتبار تطلعات الشعب اللبناني، على ضوء التحركات التي حصلت منذ تشرين الأول إلى اليوم، الثاني تمحور حول التذكير بالقرار 1701 وبمجمل القرارات الدولية الأخرى، وهذا البيان يعيدنا إلى التذكير بالإجتماع السابق للمجموعة في كانون الأول عام 2019 في باريس، وبالتالي هناك أرضية سياسية دولية لأيّ مساعدة “.

أضاف نادر “قد نطلق على الرسائل الدولية مصطلح شرط أو إطار، ولكن بنهاية الأمر صندوق النقد الذي تعوّل الحكومة عليه لتمويل خطّتها، يأتي بأمواله من دول لا تهب الأموال كيفما كان، كونها مسؤولة أمام شعوبها ولديها مصالحها. بمعنى آخر، هناك إنطباع دولي أنّ “حزب الله” مسيطر على قرار الدولة في لبنان، وهذا الأخير مصنّف من قبل هذه الدول في الخانة الإرهابية، وبالتالي هذه الدول لن تقدّم أموالها من دون أن تحصل على ضمانات، أبرزها تلك المتعلقة بإقفال الحدود، في المقابل كان كلام الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله بالذهاب في الإتجاه المعاكس وتأكيد عدم إقفال الحدود، وبالتالي في موقفه الأخير نسف صندوق النقد الدولي .

كشف فضيحة تهريب الطحين والمازوت إلى سوريا  في توقيت التفاوض مع صندوق النقد، كان له أيضًا الدور المساهم في إعادة التأكيد على القرارات الدولية. وبرأي نادر “التأكيد على إقفال الحدود ليس فقط لضرورات سياسية وأمنية، وليس فقط بقصد التجاوب مع متطلبات المجتمع الدولي والإمتثال للقرارات الدولية فحسب، إنما أيضًا للمحافظة على ما تبقّى من احتياط مصرف لبنان بالعملات الصعبة، لاسيّما وأنه يدعم ثلاثية السلع الأساسية، القمح المحروقات والدواء، وبذلك يستنزف احتياطه ليس لأجل تأمين السلع الأساسية للشعب اللبناني إنما لدعم الإستهلاك في سوريا، في توقيت عصيب بحيث لن يكون بمقدور المصرف تغطية تأمين تمويل هذه السلع حتّى نهاية العام الحالي، فكيف يستقيم والحالة هذه دفع ما تبقى من عملة صعبة لسلع تهرّب إلى سوريا؟

لافتًا بدا مطلب المجموعة “إشراك جميع المعنيين في لبنان في المشاورات حول مضمون الخطّة”، فالإجماع الذي تشترطه الدول المانحة سيكون صعب المنال، خصوصًا وأنّ الكتل البرلمانية المعارضة لديها ملاحظات جوهرية حيال الخطة، وكذلك المجتمع المدني والفئات الشعبية لن توافق على خطة ستحمّل الشعب اللبناني المزيد من الأعباء الضريبية لتضاف إلى أزمته المعيشية. وبرأي نادر أرادت المجموعة الدولية أن تقول “انتبهوا، مشروعية الخطّة ستكون ناقصة إذا لم تشاركوا الشعب الذي انتفض، كما أنّ إقرار الخطّة بأصوات الفريق الواحد ولو امتلك أغلبية نيابية غير كاف. والإجماع الداخلي لا يتحقق سوى بطريقة وحيدة، عبر إجراء انتخابات نيابية مبكرة”.

فضلًا عن الشروط الدولية هناك ثغرات تعتري الخطة برأي نادر”صحيح أنّها طرحت إصلاحات جدّية، ولكنّها اقتصرت على الشقّ النقدي والمصرفي، وأهملت الإصلاحات الأخرى، المتعلّقة بالمالية العامة، وإصلاح قطاع الكهرباء، وتعزيز الواردات وإقفال المعابر والمرافىء غير الشرعية، وإعادة النظر بحجم القطاع العام، وغيرها ، فبدت الخطّة وكأنّها تستند على رِجل واحدة، فكيف ستسير؟”.

في المحصّلة، تتشابك الملفات السياسية والسيادية بتلك الإقتصادية والمالية، ودرب صندوق النقد رغم شروطه القاسية، لن يكون مزروعًا بالورود، فهل يدرك أهل القرار في لبنان أنّ الإصلاحات الطوعية من المعابر إلى الكهرباء والإتصالات والإملاك البحرية وإيجار المباني الحكومية وغيرها الكثير، ستوفر مليارات قد توازي ما سيحصلون عليه من الصندوق؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*