ثقافة الكركرة… عفوك أبانا طوني!!! – حبيب يونس

محطات نيوز – وما أدراك، يا صاحِ، ما الكركرة؟ هي، في القاموس، صوت يردِّده الإنسان في جوفه، أو اشتداد الضحك أي القهقهة. ولكن إذا أردت معرفة معناها الحقيقي، فعمِّر نارجيلتك واتبعني.

لنبدأ، يا صاح، بالسياسة. في لبنان، الجمهورية الديمقراطية، ذات النظام البرلماني، على ما نص دستورها، تنتقل السلطة من فرد إلى آخر، أو تتجدد الطبقة السياسية انتخابًا للنواب أو تعيينًا للوزراء، وتنشط الأحزاب والتيارات والبيوتات، لتوفير غالبية من أجل تسلم السلطة، فيعمل رؤساؤها وقادتها، سنوات، حتى يؤسسوا لأنفسهم قاعدة تزكي وصولهم إلى هذا المنصب أو ذاك.

هذه هي القاعدة. لكنني، كلما دنا موعد استحقاق انتخابي، أتذكر ما قاله لي، قديمًا، سياسي معتَّق، لا ذو باع طويل في السياسة وكواليسها فحسب: في ديمقراطيتنا التي نمارس، مفارقة مضحكة مبكية. يجهد أحدهم طويلًا وتتراكم خبراته وتضحياته وتختمر برامجه، طامحًا إلى أحدها، فإذا بآخر لم يُعرف عنه عمل أو مأثرة أو خير لبلاد وعباد، (إلَّا إذا عددنا حبه السيجار أو “تعمير” النارجيلة أو أناقته المفرطة من عناوين الرصيد السياسي، لا المالي فحسب)، يحتل ذاك المنصب، كمن كسب ورقة يانصيب أو لوتو.

تدور الكرات على نفسها، في الوعاء السحري، ويكركر جوف سعيد الحظ، ونقهقه نحن وقد وقعنا على ظهرنا، ألمًا مضاعفًا. فتبًّا لمن قال إن الوصول إلى العلى يتطلب سهر ليالٍ. وكم كان نابوليون محقًّا حين اكتشف “أن الغباء في السياسة ليس عائقًا”، وكم كان أفلاطون مؤلمًا في استنتاجه أن “الأذكياء جدًّا الذين يرفضون الانخراط في العمل السياسي، يُعاقَبون بأن يحكمهم أغبياء”…

“نارة يا ولد”، صديقي لم يفرغ من الكركرة بعد.

فلنعرِّج الآن على الثقافة، يا صاح، وأبرز عناوينها… الكتاب. ولكن يا حسرتي عليه، ورقًا وحبرًا. دعك من كتب الطبخ والنفخ والأبراج والبصارة البراجة والخزعبلات، تجده، سنة عن سنة، الغائب الأكبر عن المشهد الثقافي، يتيمًا وهو على رفوف المعارض السنوية أو المكتبات، وأعين الزائرين تجول بينها فضولًا أو تسلية أو تقطيع وقت أو عجزًا عن شراء، فيما القادرون على ابتياعه… قليل.

بالله عليك، يا صاح، قارن بين مكتبة أو قاعة معرض… ومقهى للنراجيل. هناك شبه صحراء، وهنا تجد المقاهي، يوميًّا، عامرة بمن يمضون ساعات وساعات يكركرون المعسل والعجمي. ووحياة عينك، أُصدِقُكَ القول إن سعر نَفَس النارجيلة الواحد أغلى من سعر كتاب.

كركر، يا أخي، ولتحيَ ثقافة الكركرة.

“عفوك… بونا طوني”، قلت في نفسي. فإذا بصديقي يسأل من يكون “بونا طوني”؟ ولِمَ زَجَجْتُ باسمه في الحديث؟ أجبته: وكيف سمعت أنت ما أهمس به، وكركرة جوف نارجيلتك يصم الآذان؟ هزئ مني ونسخ ما سبق أن قلت: فلتحيَ ثقافة الكركرة.

“بونا طوني” ما هو إلا الراهب في الرهبانية المارونية اللبنانية الأب طوني الخولي، أي المطرب السابق ربيع الخولي. وقد التقينا في عشاء أقامته المدرسة المركزية حيث يخدم. كان ثمة مغنٍّ يؤدي، من ضمن ما يؤدي، أغنيات لربيع، وفيما “بونا طوني” يجول على الطاولات، مصافحًا ومحدِّثًا ومهتمًّا براحة هذا ووضع ذاك، سألته اعتلاء خشبة المسرح ليطربنا بإحداها، فنستعيد زمنًا جميلًا. شدَّ على يدي، مبتسمًا، وقال لي: حين امتهنتُ الفنّ، خضت غماره عن آخره. أما وقد اخترت الترهُّب، فليس لي إلَّا أن ألتزمه أيضًا عن آخره…

وما التزام “بونا طوني” إلَّا قرار حر لرجل حر، يذكِّر بقول السيد المسيح: أترك كل شيء واتبعني… ويعني أن الدنيا ما زالت بألف خير.

وما اتِّكال البعض على ورقة اليانصيب الوارد ذكرها أعلاه، ورضوخنا بالتالي لنتيجة الحظ الذي وقع عليه، وانتماء بعض آخر إلى ثقافة الكركرة، على حساب الثقافة الحقيقية التي لا يقوم مجتمع ويتطور من دونها، سوى وجهين لعملة واحدة يتداولها أهل أمة قد تؤول، في هذه الحال، إلى الانحلال والسقوط والزوال.

ودَّعني صديقي بعدما دفع ثمن ما كركر به وخرج. وبقيت إلى طاولتي لا شيء معي سوى ابتسامة “بونا طوني”…

حبيب يونس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إضغط هنا

أحدث المقالات