شدائد تدك حصون مؤسسات الوطن – عماد جانبيه         

محطات نيوز – يخرج الوطن من فضاء انعدام الجاذبية ليدخل في مراحل تحولات بين قرن وآخر من تاريخه الحديث والمعاصر، تطرح الكثير من الأسئلة عن واجهة المستقبل، فإن الشاهد على هذا التاريخ يميّز حقباً وفترات ذات أنباط متباينة، كان آخرها تلك الممتدة من تاريخ اتفاق الطائف وإلى يومنا هذا، وهي فترة أفقدت السيادة معالمها ورموزها وأتلفت شرايين الإقتصاد وإنتهكت مالية الهيكل العام، فأضحى (تجاره لصوصاً) وتوزعت ثروات القطاع العام بين إهدار ونهب عديمة من دون أن تحصل المساءلة الرادعة، التي لا يرسخها سوى الديمقراطية الحقّة.

تحوّل يبدأ بالأمل والخوف معاً، خشية أن يكون ما يحصل سراباً، وهو ليس ناجماً عن تأخير تأليف الحكومة فقط بل هو نابع من كساد اقتصادي حاد ومزمن، وتحديات متنوعة ومتباينة، يعرف الجميع جسامتها وحجم الإرث الذي يرخي ظلاله على البلاد.

وإذا كان عبء بناء المؤسسات العامة وترسيخ فعاليتها وتشديد إنتاجيتها هو شأن سياسي، فإن ما يطفو على صفحة التحديات الكبرى يبقي الدين العام الخارجي والمحلي. وهو يرسم تحدّ لا ينحصر بمهام وزارة من الوزارات، أو بوزير مالية، بل صار، في حجمه وعبئه، من مسؤولية الحكم بكلّيته ومن مسؤولية المؤسسات جميعها ومن مسؤولية كل مواطن يعيش ليسدد هذا الدين من عرق الجبين.

فلا يمكن وقف تنامي الدين العام، والذي يحتاج نصف قرن أو أكثر للتخلص منه. نصف قرن قد يعرف فيها الوطن الصغير تقزيماً في إلإنفاق على المشاريع الطموحة، وتقطيراً في المدفوعات تحول دون تلبية الإحتياجات الإنسانية، هي العنوان الكبير للألفية الثالثة بعدما تبنتها الأمم المتحدة عشية ولوج الألفية قرنها الأول، فضلاً عن موازنات المصارف التجارية التي أتت ل تصوّب النقاش وتحسم بأن سنة 2019 كانت سنة الإنهيار النقدي بعد 22 عاماً من استقرار العملة.

وأيضاً، تهميش دور القطاع العام في تلبية احتياجات اقتصاد العولمة، بعدما عجزت الحكومة عن أخذ الأكفياء في الوظائف العامة، واتكلت على الوساطة السياسية في انتقاء الموظفين، بعد أن أدى عجز المالية إلى التحول عن التوظيف الدائم إلى التوظيف بالتعاقد ولمدد محدودة. ومازالت الدولة المثقلة بالديون تتبادل الإتهامات والمصرف المركزي بالمسؤولية عن الأزمة، مليارات الليرات ولا قدرة على مواجهة هذا التحدي، لإطفاء الدين العام وأصوله، والبلوغ إليه يحتاج، سياسياً، إلى كل ما يلوح في الأفق على أنه قد يشكل عائقاً، بدءاً من انعكاسات ما يخل بالأمن وثغرات المناطق، وإنتهاء بمزاجية القوانين والقائمين على تنفيذها، فالدولة الراسخة في سيادتها هي التي تضع قوانين ثابتة لا يتم تعديلها إلّا في ضوء ما تقتضيه الحاجة الملّحة للتعديل، ثم ألا يتم تفقيس القوانين في حاضنات غير لبنانية. والبلوغ إلى جباية موارد مالية عالية يكون نتيجة رفع التحدي لتنمية الإقتصاد بشكل عام

إن بناء الأوطان لايتم بالنظريات والتنظير، بل بالورش العامة الميدانية، وفي ضوء إنجازاتها يتم تصحيح المسار وتقويم التوجه نحو الأهداف التي تجعل الوطن الصغير في مستوى التحديات العالمية، إن لم يكن سياسياً أو عسكرياً، فعلى الأقل اقتصادياً. وقد ترسي الحكومة الجديدة، سياسات مستقبلية تضج بها أفكارهم، يمكن تضمينها نهجاً حكومياً مستقبلياً، نظراً إلى محدودية عمر الحكومة المرتبط بالكثير الكثير من الإستحقاقات.

لقد دفع الوطن الصغير ومازال الكثير من إمكاناته الإقتصادية والبشرية ثمناً باهظاً للإنقسامات الداخلية ولتغييب مبدأ الديمقراطية على مستواياتها وأنواعها، وجعل التشنج السياسي زخماً متفجراً في حقول الإقتصاد وأوهن الحكم الضعيف عصب الإنتاج، وأرهق الفساد موارد الخزينة، وصار كل أمر مرتهناً للخارج، وباتت شؤون الوطن مضغوطة تحت سقف الذل.

إن هذا الجو العابق بالتخوين والتهديد والوعيد، ليس جواً لوطن يؤمن حقاً بالديمقراطية، من بعد أن هجّر الإستثمار ورؤوس الأموال، وإطباق فكّي كمّاشة الجمود الإقتصادي القاتل على النشاطات الإنتاجية في الوطن الصغير.

لقد آن الأوان لتتحرر التيارات السياسية من السياسات الخلافية العميقة، وتتكاتف لخلق فسحة أمل، لإنقاذ الناس من الفقر والعوز، وتأمين الخزينة بالموارد المالية لتحقيق المصلحة العامة ورفع في إنتاجية الإدارة.

ان لبنان هذا الوطن الصغير الذي لا يعرف الإستقرار منذ 78 سنة أي من يوم الإستقلال، كوارث وأحداث وانتشار فيروس كورونا، وتعثّر في تشكيل حكومة. وتفاقم الضغط الدولي وتوالي العقوبات على شخصيات لبنانية، واستمرار في عجلة التدهور اقتصاديا وماليا، وأيضاً، انعدام الحلول في الأفق بعد سقوط التدقيق الجنائي في حسابات المصرف المركزي، وعيش لبنان وسط إقليم يحتدم بالصراعات.

وكل هذا مازالت سبل الحل ممكنة، والإتفاق على صيغة متوازنة لمختلف القوى، ليتم  ولادة حكومة إنقاذية تنال ثقة الشعب والمجتمع العربي والدولي.

وللبقية تتمة…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*