“عصفوري”فيلم سينمائي لفؤاد عليوان – بقلم الكاتبة امل وجيه ناصر

محطات نيوز – فيلم “عصفوري” للمخرج اللبناني فؤاد عليوان ، هو خلاصة جهد لبناني بجميع أبعاده صناعة وإخراجا وإنتاجا.
يعبّر عنوان الفيلم عن معاني عدّة متجانسة منها اللغة المتداولة في زمان أجدادنا (العصفوري) ويقوم مبدؤها على تقسيم الكلمة الى مقاطع لفظية تتكرر نغما مثل زقزقة العصافير مع ادخال حرف الزين في هذه المقاطع .
في بيروت السبعينيات وفي حي الصنائع تدور طيور الحديقة مع دوران أحداث قصة كريم الطفل الذي يعيش مقابل الحديقة في بناية بيروتية، كان قد أنشأها جدّه أبو عفيف في العام ١٩٢٧.
يقرر جدٌه وسكان البناية إعادة تأهيل هذه البناية القديمة الطراز ويقررون الإجتماع للتشاور على لونها وتفاصيل إعادة تأهيلها. لكن هذا المشروع يتعثّر بفعل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في العام ١٩٧٥.
ويترك معظم السكان الأصليين بنايتهم ويحتل طوابقها سكان غرباء ومهجّرون. فيعيش سكان البناية و”كريم” فصول الحرب الأهلية عبثيتها الى أن يغادر كريم البناية والوطن تزامناً مع الإجتياح الاسرائيلي لبيروت عام ١٩٨٢.
ويعود كريم من المهجر في التسعينيات حين تنتهي الحرب الأهلية تزامناً مع مشروع إعمار بيروت.
يلتقي كريم بمايا ،الشابة الكندية اللبنانية الأصل العائدة الى بيروت بعد انتهاء الحرب ويعيشان قصة حب متأرجحة لا تخلو من الرومانسية الرقيقة.
“عصفوري” يجول في مهرجانات عالمية وهو مرشح لسبع جوائز من بينها أفضل فيلم طويل،أفضل مخرج،أفضل ممثل”مجدي مشموشي”،أفضل موسيقى، أفضل ممثلة “كارولين حاتم”.وقد حصل على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان وهران في الجزائر ل”يارا أبو حيدر” بالإضافة الى تنويه خاص كأفضل فيلم وأفضل ممثل “وسام فارس”.
“عصفوري” حركة فنية شاملة جسّدت واقعا وعواطف إنسانية جامحة. ركز  هذا الفيلم الرائع على تصوير المصدر الحقيقي للتجارب الواقعية من خوف ورعب وهلع وألم وحب.
لم يتقيّد فؤاد عليوان بالكلاسيكية بل بلور أحداث الفيلم بطريقة عفوية وتلقائية، وخلق مواقف مبتكرة مع ذكريات الماضي وأحداث الواقع الراهن وأحلام المستقبل. وقد لمسنا نتيجة ذلك توغلا في الرومانسية وتطورا فكريا متمردا.
وثب هذا المخرج الموهوب مع فريق عمله وثبة جريئة في عالم السينما مما جعلنا نشعر بحيويته ورشاقة سرده وتمرّده الوجداني المحطّم لأقسى القيود. وقد استطاع في مشهد من مشاهد هذا الفيلم أن يوقظ في النفوس حسًا قومياً وحماسةً للثورة ضد الظلم والاحتلال والحرب.
دخل فؤاد عليوان في وجدان ناسه والتصق التصاقا حميمًا بالمجتمع ورسم خارطة العالم، طبيعة عذراء دون خطوط،فمنحنا الحق فيها جميعًا بلا ألوان ولا أسلاك شائكة. وقد أدهشنا الوضوح والبوح ما يوحي للمشاهد صدقية التجربة وواقعيتها.
ولا شك أن الممثل الموهوب مجدي مشموشي أفلح بدفقٍ إبداعي جميل أضاف حرفية عالية الى الفيلم. كما أن باقي الممثلين مثل وسام فارس وكارولين حاتم حملوا المشاهدين الى الشعور بتنفس الصعداء لأنهم كانوا يرفلون بالعفوية والتناغم بلغة القلب الدافئة.
فؤاد عليوان، حلّقتَ من دون جناح في عالم السينما والإبداع ، عالجت عذابات الإنسانية التي حُفرت في الوجدان ونثرت الجمال في أروقة الفن .
“عصفوري” فيلم لبناني أصيل بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، فيه كثافة من الإبداع والعفوية وهو يستحق المشاهدة والثناء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*