روبوتات تقوم بالعمليات الجراحية وتتولى العناية بالمرضى

محطات نيوز – تنبأ العديد من كتاب الخيال العلمي بأنه سيأتي يوم تكون فيه مستشفيات المستقبل بدون بشر تقريبا، إذ سيختفي منها الجراح البشري وفريق التمريض، وربما أطباء التخدير والعمال والمديرون، ليحل محلهم الروبوت (الإنسان الآلي)، الذي سيتولى كل هذه المهام منفردا، ليجري الجراحات الدقيقة دونما حاجة إلى أي مساعدة من البشر. والآن لم يعد هذا السيناريو ضمن باب الخيال العلمي، فقد تم بالفعل إجراء جراحات للمرضى عن بعد بواسطة الروبوت. وتم في سبيل تحقيق ذلك تسخير تقنيات الاتصالات الفضائية، وبتوجيهات من الكومبيوتر ونظم المعلومات والتكنولوجيا الحديثة.

وبعد أن حل الروبوت محل الإنسان في العديد من مجالات الحياة في الدول المتقدمة، فإن العديد من المراكز العلمية في هذه الدول تشهد اليوم سباقا محموما لتطوير روبوتات تجري الجراحات وتتولى العناية بالمرضى، ما قد يُحقق في المستقبل المنظور أن تحل الروبوتات محل الأطباء الجراحين. ولذا سيكون المريض هو الشخص الوحيد في غرفة العمليات، حيث سيتم استبدال أنظمة روبوتية بالجراحين والممرضين وأخصائي التخدير. والأمر هنا ليس ترفاً تقنياً أو تمادياً في الإسراف التطبيقي للتكنولوجيات المتطورة بلا مبرر أو حاجة، بل لعل واحدا من أهم تعليلات الحاجة الى إجراء مثل هذه التغيرات هو أن الجراحين قد ترتعش أناملهم أحيانا، إما نتيجة للتعب أثناء إجراء عملية جراحية دقيقة من النوع الذي يستغرق وقتا طويلا، أو نتيجة لإصابة الجراح نفسه بحالات من الارتعاش المتعدد الأسباب. وهو ما قد يمثل خطرا على حياة المريض أو دقة القيام بالخطوات الجراحية تلك. وما يقوم العلماء حاليا به من تطوير روبوتات طبية تتميز بالدقة التامة في إجراء العمليات الجراحية، إنما هو في الواقع محاولة للحد من آثار المشكلة البشرية تلك ووسيلة للتغلب عليها. ولذا ستعمل الروبوتات الكومبيوترية تحت إشراف طبيب ذي كفاءة عالية في كل من المهنية الجراحية والتعامل مع الروبوتات الطبية.

* روبوت بحاسة لمس ويتميز الروبوت الجراح بمهارة فائقة وتقنيات رؤية متقدمة وقدرة ميكانيكية عالية، ولكنه يفتقد خاصية مهمة جداً وهي «حاسة اللمس». وللتغلب على هذا النقص، يقوم الباحثون بجامعة جونز هوبكنز الأميركية، بتطوير نظم وأدوات جراحة روبوتية، مزودة بحاسة اللمس، والتي ستساعد الأطباء يوما ما في التعامل مع المرضى بصورة دقيقة وآمنة وأكثر فاعلية، وهو ما سيعد خطوة واعدة في أدوات الجراحة الروبوتية yعالية التقنية المزودة بها غرف عمليات المستقبل، إذ تقول الباحثة أليسون أوكامورا، رئيسة فريق البحث في المشروع وأستاذة الهندسة الميكانيكية بالجامعة، والمهتمة بدراسة التداخل بين الإنسان والآلة، بأن هدفهم هو فهم مقدار القوة لدى الروبوت عند تفاعله مع المريض، وذلك باستخدام محركات يزود بها الروبوت الرئيس master robot الذي يتحكم فيه الجراح، للحصول على قدرات مساوية لتلك التي تم تطبيقها على المريض، لأننا نريد للجراح أن يحس كما لو كان يجري الجراحة على المريض بنفسه وليس باستخدام الروبوت كوسيط.

ولتطوير هذه التقنية، يقوم فريق البحث بإجراء تجاربه على نظام دافنشي الجراحي Da Vinci Surgical System، إذ يعتبر الروبوت الوحيد الذي تمت الموافقة على استخدامه في غرف العمليات من إدارة الغذاء والدواء الأميركية. وجدير بالذكر أن الروبوت دافنشي مفيد جداً في جراحة المناظير الباطنية مثل استئصال المرارة أو البروستاتا، كما يساعد في إجراء عمليات جراحية غير قلبية داخل الصدر.

ولتزويد الروبوت بحاسة اللمس أو التعزيز للمس haptic feedback يقوم الفريق باستخدام أسلوبين مختلفين، هما مستشعر القوة الجسديةphysical force sensor ضمن الأدوات الروبوتية لتحديد مقدار القوة المطلوبة، والأسلوب الآخر باستخدام نموذج كومبيوتري رياضي لتقييم القدرات بين المريض والروبوت. وتتم ترجمة كل هذه المعلومات من المشغلoperator الى مقدار الجهد الذي يستخدمه الجراح في تحريك عصى القيادةjoystick في الروبوت الرئيس.

* روبوت ثعبان وعلى صعيد آخر، تمكن الباحثون من جامعة جونز هوبكنزا، من تطوير روبوت على شكل ثعبانSnake-like Robot ، لإجراء عمليات جراحية على درجة عالية من المهارة والدقة في منطقة الحلق الضيقة، وهذا يعد إنجازا واعدا، ففي الوقت الحاضر يجب على الجراح عند إجراء عملية جراحية بمنطقة الحلق أن يدخل ادوات غير مرنة وكاميرا في هذا الممر الضيق ويحركها يدوياً، وكبديل سيقوم الروبوت بكل هذه المهام، إذ يمكنه الدخول في الحلق مزود بقضيبين مثبت على رأس كل منهما آلات على شكل مستشعرات (لامسات) يمكنها التحرك بسهولة، كما يمكن ثنيها بيسر على شكل حرف S. ويمكن للطبيب الجالس في غرفة التشغيل أن يحصل من خلال عدسات خاصة، أن يرى صورة ثلاثية الأبعاد لموقع العملية، كما يمكنه تشغيل أدوات التحكم لتوجيه الروبوت. وهذا النموذج تم تصنيعه من معادن غير مغناطيسية، بحيث يمكن استخدامه بشكل آمن بالقرب من أدوات التصوير المغناطيسية. ويوفر مجال الجراحة الروبوتية عدة مزايا، حيث يستطيع الروبوت القيام بحركات دقيقة في مساحة صغيرة جدا، دون أن ترتعش أصابعه، مثلما يحدث في حالة اصابة الطبيب بالإرهاق والتعب، فالروبوت الجراح له أياد حساسة جدا، ويمكن لأذرعه التحرك بحذر داخل جسم الإنسان، مع احداث أقل الأضرار الممكنة على الخلايا والأنسجة البشرية الكثيرة التي يحتك بها اثناء اجراء العمليات الجراحية، كما أن الجراحة الروبوتية تقلل من درجة الألم التي يعاني منها المريض خلال العمليات الجراحية التقليدية التي يقوم بها الأطباء البشر، وبالتالي يقلل الروبوت من خطورة المضاعفات ويزيد من سرعة شفاء المرضى، كما أن اضافة حاسة اللمس للروبوتات، سيسهل ويسرع من اتمام اجراء الروبوتات للعمليات الجراحية.

* جراحة روبوتية عبر القارات.. وفي الفضاء أيضا > جدير بالذكر أن مجال الجراحة الروبوتية قد شهد قفزة عملاقة في سبتمبر من عام2001، حيث تمكن العلماء من استخدام الروبوت لإجراء أول عملية جراحية عن بعد عبر القارات، فقد تمكن فريق من الأطباء الموجودين في نيويورك، من اجراء عملية جراحية روبوتية ناجحة عبر الأطلسي لاستئصال مرارة مريضة موجودة في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، وعلى بعد 14ألف كيلومتر، بواسطة ذراع روبوتي يعمل عن بعد، وأطلق على العملية «ليندبيرغ» Operation Lindbergh.

وقد استمرت العملية 45 دقيقة، وأخرجت المريضة من المستشفى بعد يومين من اجراء الجراحة، حيث قام الجراح الموجود في نيويورك بتحريك أذرع نظام روبوتي يسمى «زيوس» ZEUS، من تصميم شركة «كومبيوتر موشن»Computer Motion بولاية كاليفورنيا الأميركية، للقيام بالعملية للمريضة. وكان الاتصال بين الآلة الروبوتية والجراح يتم من خلال خدمة فائقة السرعة عبر ألياف بصرية، قدمتها خبرة وحدات عديدة تابعة لشركة «فرانس تيليكوم»، حيث بلغ التأخير الزمني بين حركة الجراحين وعودة صور الفيديو المعروضة على الشاشة أقل من خمس الثانية، اذ بلغ حوالي155مليثانية، بينما الفرق الزمني المقبول في مثل هذه الحالات يقدر بثلث الثانية أي 330 مليثانية. وقال البروفسور الذي أجرى العملية العالم جاك ماريسكو من المعهد الفرنسي لبحوث سرطانات الجهاز الهضمي (أركاد) Institute for Research into Cancer of the Digestive System (IRCAD)، إن المسافة التي لم تكن تتعدى بضعة أمتار بين المريض والجراح داخل غرفة العمليات، لم يتخيل أحد أنها قد تصبح عدة آلاف من الكيلومترات، وهذا ما حدث بالفعل بفضل الإنجازات التكنولوجية لكل من شركة «كومبيوتر موشن»، التي أنتجت الروبوت الرقمي المناسب، وشركة «فرانس تيليكوم»، التي نجحت في استخدام نظام فائق السرعة ومضغوط، وذلك لتقليل الزمن بين اعطاء الأمر بالحركة وعودته للظهور على شاشة الفيديو، هذا الزمن الذي كان قليلا لدرجة أن الإنسان لا يشعر به تقريبا. وقال ماريسكو أيضا ان العملية عبارة عن ثورة في علم الجراحة، وأنها ترسي الأساس لعولمة الجراحة، مما يجعل من الممكن تصور أن بإمكان أي جراح إجراء عملية على مريض في أي مكان في العالم، وبالتالي جعل الجراحين والاختصاصيين في متناول الأيدي لمساعدة الجراحين الموجودين في مناطق العمليات العسكرية الذين قد يفتقدون للخبرة الطبية، فضلا عن إمكانية تطوير هذه التقنية الجديدة لأغراض التعليم والتدريب التي تشمل المناطق النائية في دول العالم الثالث. وسيكون بالإمكان إجراء جراحة روبوتية في الفضاء، وذلك عن بعد في حالات الطوارئ التي قد تحدث في الفضاء الخارجي لرواد الفضاء، إذ يقوم حاليا الباحث تيم برودريك في جامعة سنسيناتي في أوهايو الأميركية، بإجراء دراسات مع وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، حول إمكانية إجراء عمليات جراحية من الأرض الى الفضاء، إذ انه إذا واجه رواد الفضاء في محطة فضائية أو على سطح المريخ حالة طبية طارئة، مع العلم بأن عودة المريض من المريخ الى الأرض تستغرق ستة أشهر، فإنه يمكن علاجهم بتكنولوجيا الروبوت بسرعة، من خلال توجيه العمليات الجراحية عن بعد من مسافة آلاف الأميال. وتشمل تجربة «ناسا» التي تسمى «نيمو ـ7» Nemo-7، إجراء عملية على دمية في مختبر «إكواريوس» Aquarius Lab في أعماق البحر، قبالة ساحل فلوريدا، وعلى عمق 19مترا، في جو يشبه تماما أجواء الفضاء الخارجي، وسيقوم جراح على بعد 2000 كيلومتر من مكان العملية بإجراء العملية التي تجرى عبر روبوت يتلقى تعليماته بواسطة اللاسلكي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*