الليبرالية… في نفق العولمة الاميركية – العميد وجيه رافع

محطات نيوز – العميد وجيه رافع

وكما كان متوقعاً، ثلاثة عقود من الزمن مرّت لتضع فكرة العولمة بكاملها في المجهول، العولمة التي قامت على ركائز الفكر الليبرالي الحر الذي رسم لنفسه منذ بداية مساره صورة وردية عظيمة لمستقبل العالم في الحرية والديمقراطية وصناعة الخير العام للشعوب، فها هو القلق والاضطراب يساور كافة القوى العالمية، وخاصة الاميركية التي كان لها اليد الطولى في بناء هذا النظام المعولم، بحيث كان لها السيطرة الكاملة في اقانيم القوة، سياسياً واقتصادياً وثقافياً و عسكرياً

في مراجعة نقدية بحثية عامة لتحليل ما جرى، نلاحظ انه لم يسبق لأمة في التاريخ، ان وصلت هيمنتها الى الحدود التي وصلت اليها الولايات المتحدة، تلك الهيمنة التي عبّرت عن توسّع امبراطوري مفرط في شتى الميادين والحقول، تواكبها آلة عسكرية مَهُولة تنتشر في الفضاء واعماق المحيطات والبحار وفي كافة المضائق الكونية، حاملات طائراتها تجوب بحار العالم لفرض قواعد اللعبة، لعبة الهيمنة والاستحواذ في كل مكان من العالم

عولمة اميركية الهوية والمسار، انتشرت ثقافتها في ارجاء العالم كالنار في الهشيم، كانت وما زالت ترافقها صورة براقة عملاقة في فنون الوصل والاتصال، والدعاية والاعلام، ساهمت في اضمحلال الشعور القومي العام لدى اكثرية شعوب العالم، استُخدمت خلالها خطة بينية عملاقة قاعدتها الخلط التدريجي والممنهج للاعراق والقوميات والاثنيات، فانتشرت الزيجات والانجاب بين سكان الارض قاطبة، حتى في الداخل الاميركي، متجاوزة مسائل العرق او الدين او اللون او الجنس، فبانت وكأن الليبرالية الاميركية تسعى لخلق مواطن عالمي جديد، ينتمي الى العالم التقني الجديد، او مواطن ليبرالي تقني عالمي، يُعبَّر من خلاله على دفن الافكار القديمة البالية والطوباويات التاريخية

الاكراه المشروع، حق امتلكته كافة الدول في كافة مراحل التاريخ استناداً لمبدأ السيادة الوطنية، لكنه لم يُعرف تاريخياً ان هذا الحق اصبح من الممكن استخدامه بين دولة ودولة، فالولايات المتحدة تستخدم حق الاكراه “المشروع” عبر التدخل العسكري وفرض العقوبات الدولية، وذلك من خلال آليات وقوانين اميركية (قانون كاتسا مثال)، تجدها تتدخل في اي دولة، تهاجمها وتسقط انظمة فيها، تقيم بدائل، تبني القواعد العسكرية، تفرض العقوبات على اي دولة في العالم او على كيانات فيها، فلم يسبق تاريخياً وبالشكل الذي تقارب فيه الولايات المتحدة هذه المسألة، ان تفرض دولة ما عقوبات على دولة ثانية، وتعاقب دولة ثالثة اذا ما خرقتها او اذا اقامت دولة رابعة انشطة تعاون معينة مع الدولة المعاقبة، انها السيادة الاميركية الدولية على العالم او الهيمنة الاميركية المَهُولة، صناعة الانتلجنسيا العميقة داخل الولايات المتحدة، والتي دأبت منذ ستينات القرن الماضي في المضي قُدماً لجعل حلم اميركا الليبرالي، حقيقة كونية لا مثيل سابق لها في التاريخ

في المحصلة، حقل لعبة الهيمنة الكونية، لم يتطابق مع بيدر التطلعات الاميركية، فعالم اليوم اضحى مختلفاً، والعلاقات الدولية في اضطراب متصاعد، كل ذلك بسبب النتائج الجيوبوليتكية المتعثرة للسياسات الاميركية، تلك النتائج التي ادخلت العالم في بحر من الغموض والضبابية، ستطبع القرن الحادي والعشرين بمتغيرات كونية لا مفر منها.

لكن يحق لنا ان نسأل او نتساءل عن الاسباب التي ادت الى الواقع الحالي المضطرب ،فهل سقطت الانتليجنسيا الاميركية العميقة في الغموض او الضياع، ألم يكن من الافضل لتلك الفكرة الليبرالية ان تحافظ على أنسنة علاقاتها الدولية منذ بداية صعودها، ألم يكن من الاجدى لها ان لا تظهر باي مكان في العالم بصورة المحتل، ألم يكن افضل لصّناع القرار في واشنطن ان تتجنّب استخدام مصطلح الاحادية القطبية في قواميس علاقاتها الدولية، وان تسعى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي الى تعميق الشراكة الدولية لتصبح اكثر واقعية وقادرة على صياغة تفاهمات اممية واضحة وحقيقية

لقد وضعت الولايات المتحدة، الهيمنة في مسار علاقة متأرجحة بين الاستحواذ الدائم على الثروات واستخدام القوة، مما ادى الى لا عقلانية سياساتها الخارجية وذلك في غياب تام لدور الاصلاحيين في الفكرة الليبرالية المؤثرة في علاقات القرار الاميركية، فهل من دور ما للبوشية السابقة وارتباطاتها الدينية العميقة تحت مسمى “المحافظين الجدد” بحيث ظهرت وكأنها ساهمت في خلق هذا الواقع الجديد الذي وصلت اليه العلاقات الدولية، وتكمّل مساراتها حالياً الترامبية الهجومية ولو بأشكال مختلفة، أم ان كل ما جرى هو عبارة عن فكرة ديالكتيكية هيغلية بسيطة: لا بد للفكرة ان تنجب نقضيتها وتتصارع معها

سنحاول في الاسبوع القادم ان نتابع البحث في المعضلات الدولية القائمة والنتائج الجيوستراتيجية المتربة عليها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*