الصين…بداية التحول – العميد. م. وجيه رافع

محطات نيوز – العميد. م. وجيه رافع

الصين… توقع لها نابليون بونابرت منذ اكثر من مئتي عام، لم يخذل الرئيس الصيني الراحل دينغ شياوبنغ وحي القائد الفرنسي التاريخي، فبعد سنوات من الفقر والجوع في عهد المؤسس ماو تسي تونغ، قرأ الرئيس الراحل دينغ التحولات الكبيرة المطّلة على العالم، اذ انه منذ تبوءه السلطة في العام ١٩٧٨، أيقن ان الصين اذا ما بقيت على حالها، لن تستطيع مقاومة التحوّلات العالمية القادمة، فأطلق مشروعه الاصلاحي الكبير القائم على جملة بسيطة:

“حتى تتقدم الصين لا بد لها من فتح نوافذها، واذا دخلت بعوض الفساد الرأسمالي المتوحش منها، سنسحقها بقوة وننطلق من جديد” وتوقع لمشروعه هذا النجاح من خلال هذه النوافذ، في مدة اقصاها خمسون عاماً تنتهي في العام ٢٠٢٨، طبعاً اذا ما طُبقت الخطة التي وضع تفاصيلها مع كبار معاونيه إعتمدت نظرية دينغ ،صانع إستفاقة الصين، على مسارين متوازيين متكاملين، اولهما فتح مناطق اقتصادية خاصة لاستقبال الاستثمارات الاجنبية المتعطشة للمال في سوق كبير وجاهز وبيد عاملة منتجة وقليلة الكلفة، وهنا تماهى دينغ مع فلسفة السوق الحرة شكلاً، لكنه عمقاً، أخذها بفطنة وذكاء الى ما يريده هو، لا كما تشتهيه، وثانيها اجتياح العالم وإغراقه بكل ما هو متعطش اليه من صناعات وسلع متعددة، في محاكاة مصلحية لاشباع نهم ثقافة استهلاك الجنون التي تخطط لها الفكرة الراسمالية والذي توقع لها دينغ باكراً جداً على أثر ذلك، انصرفت قيادات البلاد الى الانطلاق بالجمهورية الصينية الى آفاقها الجديدة، وبدأت الورشة الكبرى بتطوير نظم التربية والتعليم بصورة مضطردة في البلاد وإتاحتها أمام الجميع دون استثناء، بالاضافة الى تسليم الشباب المتعلم ذات الكفاءات العلمية العالية، مختلف مراكز القوة والنفوذ في المؤسسات العلمية والتربوية والتطويرية وفي كافة المجالات، في الزراعة والصناعة والتجارة والسكن والضمان الاجتماعي والعلوم، كما تم تحرير انظمة الملكية بهدف اقناع الجميع في العملية الجديدة، وذلك لتجنب الصراعات السياسية الداخلية وامتصاص الصدمات والمساعدة على التأقلم مع المرحلة الجديدة، دون ان ننسى طبعاً العمل المستمر في مساعدة القيادات الشابة لتحريرها من الضوابط العقيدية المانعة لمشروع التحوّل الكبير التي تشهده البلاد.

وكذلك باشرت الصين منذ العام ١٩٨٠ في تشريع قواعد قانونية وإنشاء مناطق اقتصادية خاصة سمحت للرساميل الاجنبية في دخول البلاد وتأسيس شركات صينية – اجنبية مشتركة عملاقة، فخلال اكثر من عقد بقليل أضحت الصين البلد الاول في العالم من حيث قوة حضور الاستثمارات والرساميل الاجنبية والأهم، كانت الخطة البينية العميقة التي كانت لها الأثر الكبير في بناء المعجزة الصينية، وذلك عبر السماح لدياسبورا صينية عملاقة باجتياح أسواق العالم ومؤسساته وشركاته الكبرى والصغرى وعلى اختلاف أنواعها وأحجامها واختصاصاتها، في كل أصقاع الارض، فلم تخلو مدينة او حي او دسكرة في أي بقعة من العالم لم تطأها اقدام المنتشرين الجدد، وحدث التوغل الصيني المدروس والناعم في مختلف الاسواق العالمية، كل ذلك لتحقيق هدفاً استراتيجياً عميقاً وهو نقل الافكار والتقنيات والبرمجيات من هذه الدول الى الصين، حتى اتُّهمت لاحقاً بسرقة واصطياد الملكيات الفكرية حول العالم من قبل الولايات المتحدة.

وكما توقع دينغ، انتشر الفساد الى حدود كبيرة في الحزب والجيش والادارة، فانصرفت القيادة السياسبة الى الضرب بيد من حديد، حيث جرت إعدامات وتوقيفات طالت المتورطين من كبار المسؤولين وصغارهم دون استثناء، حيث كان دينغ شخصياً متابعاً لهذه العقوبات الردعية بنفسه لانه كان يعتبر ان عدم محاصرة الفساد سيؤدي حكماً الى سقوط الدولة والحزب والنظام خلال خمسة عشر سنة، دخلت الصين نادي المصدرين العشرة الكبار في العالم وحققت في العام ١٩٩٣ فائضاً تجارياً مع أغلب الدول الصناعية، أدهشت المجتمع الدولي برمته، رافق ذلك علاقات دولية مرنة ومنفتحة أقامتها مع مختلف الدول وخاصة النامي منها، واعتمدت في أدبيات علاقاتها فلسفة اقتصادية خاصة بها قائمة على مبدأ”خذ وأعطِ”، اي انها حاولت اقناع الجميع انها تعمل لكي تعيد بالنفع المتبادل والمشترك بين الدول وانها لا تنظر لمصالحها فقط، في محاكاة واضحة للاصطياد في عمق الفلسفة الاميركية القائمة على الاستفزاز والابتزاز والخضوع.

كل ذلك أدى الى نشوب توترات واستقطابات مع العملاق الاقتصادي الاول في العالم، أي الولايات المتحدة الاميركية رحل دينغ في العام ١٩٩٧ والبلاد عبارة عن آلة صناعية مَهُولة، ووقف العالم مدهوشاً لتلك الثقافة الكونفوشيوسية المنفتحة، وكأنه امام لوحة متماسكة وملتحمة، خلّاقة ومبدعة،وصانعة لتاريخ عظيم سنحاول في الاسبوع القادم إثارة الصحوة الصينية على الاقتصاد والامن الدوليين،الذي أدى الى دخولها بقوة لعبة الهيمنة في نظام عالمي منفعل ومضطرب، وكذلك في صراع اقتصادي مع رواد العولمة الليبرالية ومسارها المتهالك والمنفعل، وذلك مع مختلف اللاعبين وعلى رأسهم بالطبع الولايات المتحدة الاميركية، على ان نعود لاحقاً الى كورونا ودورها في ديناميات التحوّل، وصولاً الى تحديد آفاق وسيناريوهات المستقبل القادم على البشرية جمعاء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*