“الحُصِيُّ لا تؤكل… بل الكتف”! – حبيب يونس

محطات نيوز – بصريح العبارة، لا أرى في كل ما يحكى عن تأليف حكومة سوى “طبخة حُصِيٍّ”… والحصي جمعُ حصاة، ومعناها بالعامية المشبرحة “بحص”، وهي لمعلومات الجميع لا تؤكل، وإن كان “التنفيخ” عليها واجبًا، لكثرة ما اكتوينا بحليب التجارب السابقة.

وبصريح العبارة أيضًا، لا حكم سلبيًّا على نيات سعاة الخير، لإخراج المولود المنتظر منذ تسعة أشهر، من رحم الأزمة، بمقدار ما أن في الأمر استنتاجًا أملته عوامل عدة، أبرزها اثنان: الأول توقيت الولادة عشية مؤتمر جنيف المرتقب لحل الأزمة السورية مع ما يتطلبه الموضوع من مناورات وضغوط وحشد أوراق، والثاني طبيعة هذا العهد المشارف نهايته، وقد تميز بقصر النظر وبقلة الحيلة وبالفراغ أو ما يشبهه، طوال سنواته الست.

لا أدري من تسبب بجعل لبنان يرتبط إلى هذا الحد بمسار الأزمة السورية التي تدخل بعد أقل من ثلاثة أشهر عامها الثالث، في حين كان الأجدى بالطبقة السياسية أن تفيد من الفوضى العربية التي سُميت زورًا ربيعًا عربيًّا، فتتوحد لتحصن الساح اللبنانية وتنجو بلبنان وبنفسها، وتنقذ ما لم تستطعه منذ تحريره في 26 نيسان 2005، وفي حين كان ينبغي لتلك الطبقة، أن تستلحق نفسها، مُذ وضعت الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الخطوط العريضة للحل في العالم والمنطقة، فتكون حاضرة إلى طاولة المفاوضات، في مقاصة الربح والخسارة، لاعبًا قويًّا، لا مجرد ضيف شرف، أو لا سمح الله، مادة معروضة للبازار على تلك الطاولة.

فعشية مؤتمر جنيف، شاء البعض عندنا أن يتسلى ليملأ الوقت الضائع باللعبة المناسبة، وقد استهوت كثرًا، كل لغاية في نفسه:

رئيس الجمهورية الذي طار عصفور التمديد والتجديد من يده، وقبل أربعة أشهر على تركه منصبه، وقد حسم أمره بالانحياز إلى فريق دون آخر، متخليًا عن دوره الوسطي، وراح يجرد محتويات قصر بعبدا، قال: لم لا أضرب الحجر بالجوزة، لعل وعسى. لوح بحكومة أمر واقع يعرف أن لا حياة لها، ثم استمرأ لعبة تدوير الزاويا التي أعادت الحركة والنشاط إلى القصر. ولو كانت “ستُشَتي” في عهده، لغيَّمت… فمضى العهد من دون إنجاز يذكر، ولو لف خلاله الأرض أسفارًا وخطبًا، لم تغنِ ولم تسمن من جوع.

رئيس حكومة المكلف الذي أعيد العز إلى تاريخ عائلته، “انبسط” بلعبة المحركات التي تدور وتُطفأ، وهو يعلم علم اليقين أنه لم يكن سوى واجهة، أو بدلًا من ضائع، وما زال يقود مسرحية الانتظار راضيًا، غير متأفف.

فريق تيار “المستقبل”، السائر على التوقيت السعودي، والذي طالما راهن على تغييرات إقليمية تعيد إلى يده “عصمة” الحكم في لبنان، فخذلته التطورات، حتى بات أسير رهاناته، فركب موجة التأليف الحكومي الموعود، ليملأ الفراغ بإيجابيات ملغومة، وتنازلات قيل إنها قد تزعج جمهوره، هو المنتظر شيئًا ما من أولى جلسات المحكمة الخاصة بلبنان، ومفاجأة ما من مؤتمر جنيف… لن تأتي بالطبع، ولكن لا بأس من حراك ما، لا يتعب ولا تترتب عليه فواتير…

فريق الثامن من آذار الذي لاقى لعبة التأليف إلى ساحها، وهو يدرك تمامًا أنه رمى الكرة في ملعب خصومه. وثمة ركن من أركانه، هو “حزب الله”، لم تعد تعنيه كثيرًا الزواريب الداخلية، وقد تحول لاعبًا إقليميًّا ذا شأن، يربح مع الكبار، ويخسر في مواجهتهم، تاركًا لرئيس المجلس النيابي فن سياسة الممكن الذي يجيده بحرفية عالية، على المستوى المحلي.

النائب وليد جنبلاط التي دوخته تقلباته، وبات مقتنعًا بأن لفه ودورانه لم ينفعاه، فوضع ثقله في الميدان، لعله يفتح في الجدار كوة فيستعيد بعض صدقية.

وعليه، ستبقى “طبخة الحُصيِّ” تارة على نار خفيفة، وطورًا على نار قوية، بما يوفر للإعلام مادة يعبئ بها صفحاته وهواءه، بين “بصارة وبراجة”، وحفلة رقص وطقش وفقش، وطبق يعده هذا “الشيف” أو ذاك، و”ألف صحتين”… ولكن لا طبق ولا من يأكلون. وحدها الكتف تؤكل، الأمر الذي ما لم يستطعه كثر من أهل هذه الطبقة السياسية الفاشلة الذين يا ليتهم يديرون لنا عرض أكتافهم، ويفرنقعون عنا غير مأسوف عليهم وعلى إبداعاتهم الوطنية وبياض أيديهم، رحمة بنا وبما تبقى لنا من أمل في وطن ما زلنا نؤمن بأنه وطن لنا ولأبنائنا من بعدنا، ولن نمل نؤمن… لا وطن الفراغ الدائم والكراسي الفارغة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*